صنعاء نيوز/ بقلم: عمرو حيدر صلاح -
إضاءة تاريخية
ريمة وعتمة ووصاب
الجغرافيا والتاريخ والذاكرة العلمية والزراعية في المرتفعات اليمنية
بقلم: عمرو حيدر صلاح
ليست اليمن مجرد خارطة من الجبال والوديان والقرى، ولا يمكن فهم تاريخها من خلال الحدود الإدارية الحديثة وحدها؛ فقبل أن تُرسم حدود المديريات والمحافظات، كانت الجبال والأودية ومجاري المياه وطرق القوافل والمزارع والحصون هي التي تحدد صلات الناس بالأرض، وتربط بين المجتمعات بعضها ببعض.
ومن هذا المنظور تبدو مناطق ريمة وعتمة ووصاب جزءًا من مجال جغرافي متصل في المرتفعات الغربية لليمن، تتداخل فيه الجبال والأودية والممرات القديمة، وتنحدر مياهه في اتجاه تهامة، كما تشترك مناطقه في أنماط متقاربة من الزراعة والاستقرار والعمران الجبلي.
وقد وصف الهمداني ريمة وصفًا يدل على اتساعها وخصبها، وذكر أن جبلان ريمة يفصل بين عدد من الأودية، وأنها بلاد كثيرة البقر والزرع والعسل، وهو وصف يكشف أهمية البيئة الزراعية في هذه المنطقة منذ وقت مبكر.
أما عتمة فقد وصفها الهمداني بأنها مخلاف واسع خصب التربة عظيم المنتجات، ثم جاءت المصادر اللاحقة لتقدم تفاصيل أكثر عن مخلافاتها وحصونها وزراعتها وبيوت علمها.
ومن هنا فإن الحديث عن ريمة وعتمة ووصاب لا ينبغي أن يكون حديثًا عن مناطق منفصلة، بل عن فضاء جغرافي وتاريخي متجاور، لكل منطقة فيه شخصيتها وخصوصيتها، مع وجود صلات طبيعية وبشرية متراكمة عبر القرون.
ريمة في الجغرافيا التاريخية لليمن
تقع ريمة في نطاق المرتفعات الغربية، وتتميز بتضاريس جبلية شديدة التنوع، تجمع بين القمم والوديان والمدرجات الزراعية.
وقد وصف الهمداني جبلان ريمة بأنه من المناطق التي تتصل بالأودية الكبرى في ذلك الجزء من اليمن، وذكر أن ريمة تفصل بين وادي رمع ووادي سهام ووادي صيحان، كما وصفها بأنها كثيرة الزرع والبقر والعسل.
وهذه الإشارة مهمة؛ لأن الهمداني لم ينظر إلى الجبل بوصفه كتلة منعزلة، وإنما وصفه من خلال علاقته بالأودية والبلدان المجاورة.
كما أن الحجري، بعد قرون من الهمداني، وصف ريمة بأنها مخلاف واسع جدًا يضم خمس نواح، ووصفها بالخصب والرخاء، وأشار إلى شهرتها وأعلامها.
وهكذا تظهر ريمة في المصادر الجغرافية اليمنية باعتبارها منطقة ذات وزن زراعي وجغرافي، لا مجرد اسم لموضع محدد.
عتمة بين الجبل والوادي
أما عتمة فهي من المناطق التي احتفظت بقدر كبير من شخصيتها الجغرافية عبر الزمن.
وقد أورد الهمداني أن عتمة مخلاف واسع خصب التربة عظيم المنتجات، وأشار إلى اتصالها بالمناطق المجاورة، ثم جاءت كتب البلدان المتأخرة فذكرت تفاصيل مخلافاتها وعزلها وحصونها ومزارعها.
ويذكر الحجري في مجموع بلدان اليمن وقبائلها أن من مخاليف عتمة مخلاف سماه، وأن من عزله:
المطبابة، وبنو مرثد، وبنو غصين، ورحب، وهجارة، وعلي الشرقي، وبيت الحجي، وبيت الجبري، والسفل، وعلي بني ربيعة، وغور، وزار، والظبر، والعر، ويدهل، ووادي الماجل.
كما يذكر عددًا من حصون عتمة، ومنها قلعة الحقيبة، وقلعة الذاهبي، وقلعة سماه، وحصن الشرم، ثم ينتقل إلى وصف الزراعة في المنطقة فيذكر البن والذرة والبر والشعير، إضافة إلى كثرة الأنعام والنحل والعسل.
وهذا النص وحده يقدم صورة غنية عن عتمة؛ فهي منطقة حصون، ومزارع، وأودية، وقرى، وبيوت علم، ومجتمع زراعي متكامل.
المطبابة ووادي خبش
ومن بين قرى عتمة التي أرتبط بها شخصيًا قرية المطبابة؛ فهي موطني، ومنها أنظر إلى عتمة باعتبارها مكانًا حيًا تتداخل فيه الذاكرة بالتاريخ.
والمطبابة جزء من مخلاف سماه الذي أثبت الحجري عزلَه ضمن عتمة، وهي منطقة اشتهرت بالأشجار والمزارع والبن، كما ترتبط ببيئة جبلية غنية بالأودية والموارد الزراعية.
ومن أبرز ما يلفت الانتباه في هذه المنطقة وادي خبش، الذي لم يبق اسمه مجرد تسمية محلية، بل ورد في المصادر الجغرافية القديمة.
فقد خصص الهمداني في صفة جزيرة العرب حديثًا لـ وادي خبش، ووصف مجراه وفروعه ومصارف مياهه، وذكر أنه يصدر من خبش بعد ري نخيلها وزروعها.
وهذا يبين أن أسماء المواضع والأودية في اليمن كثيرًا ما تمتد جذورها في الزمن، وأن الاسم الذي يتداوله أبناء المنطقة اليوم قد يحمل في داخله ذاكرة جغرافية تعود إلى قرون بعيدة.
ومن هنا فإن توثيق أسماء أودية عتمة وقرى المطبابة ومواقعها القديمة ليس عملًا محليًا محدودًا، بل جزء من دراسة الجغرافيا التاريخية لليمن.
ريمة وعتمة ووصاب: جغرافيا متصلة
عند النظر إلى خريطة المرتفعات الغربية، تبدو ريمة وعتمة ووصاب ضمن نطاق جبلي متجاور، تتداخل فيه الأودية والمسالك الزراعية والطرق القديمة.
وقد وصف الهمداني وصاب بأنها صقع واسع يشتمل على مخلاف نعمان ومخلاف عركبة، ووصف أرضها بالخصب وحسن الأجواء، كما أشار إلى كثرة أعلامها وأهل التأليف فيها.
وهذا الوصف يضع وصاب وعتمة وريمة في بيئة حضارية متقاربة؛ جبال عالية، وقرى، ومدرجات زراعية، وحصون، ومجتمعات مستقرة، وطرق تصل المرتفعات بعضها ببعض.
ولا يعني ذلك أن المناطق الثلاث كانت وحدة سياسية واحدة في كل العصور، وإنما يعني أن الجغرافيا الطبيعية صنعت بينها صلات لا تتقيد بالحدود الإدارية الحديثة.
الزراعة: ذاكرة الأرض
تُعد الزراعة من أهم المفاتيح لفهم تاريخ هذه المنطقة.
فالمصادر القديمة والوسيطة لا تتحدث عن الجبال باعتبارها تضاريس فقط، وإنما تذكر الزرع والمياه والمواشي والعسل والبن.
وقد وصف الهمداني ريمة بكثرة الزرع والبقر والعسل، بينما ذكر الحجري في عتمة البن والذرة والبر والشعير وكثرة النحل.
وفي هذه البيئة نشأت مدرجات زراعية، واستقرت القرى بالقرب من موارد المياه، وأقيمت الحصون فوق القمم، وتطورت أنظمة محلية لتخزين الحبوب وحفظ المؤن والاستفادة من الأمطار.
ومن هنا يمكن فهم عتمة وريمة ووصاب باعتبارها مناطق لم تكن الزراعة فيها نشاطًا اقتصاديًا فقط، بل كانت جزءًا من بناء المجتمع نفسه.
الحصون والقلاع: العمارة فوق القمم
تحتفظ عتمة بعدد كبير من المواقع والحصون التي تمثل جزءًا من ذاكرتها العمرانية.
وقد ذكر الحجري عددًا من حصون عتمة، ومنها قلعة الحقيبة، وقلعة الحصن الحربي ، وقلعة سماه، وحصن الشرم.حصن خطفه .حصن المشر .قلعة صلاح الوسطى المصنعة أقدم قلاع عتمه التاريخيه 2000 سنه من الحضاره
والحصن اليمني لم يكن دائمًا مجرد مبنى عسكري؛ فقد كان يمكن أن يكون مسكنًا ومركزًا للحكم ومخزنًا للمؤن وموقعًا للمراقبة.
ولهذا فإن دراسة حصون عتمة ينبغي أن تشمل علاقتها بالقرى والطرق والمزارع والمياه، لا أن تقتصر على وصف جدرانها وأبراجها.
وإذا جُمعت هذه الحصون في دراسة واحدة، فإنها قد تكشف شبكة عمرانية ودفاعية متكاملة امتدت عبر مناطق عتمة، وارتبط بعضها ببعض وبالطرق المؤدية إلى وصاب وريمة والمناطق الغربية.
العلم في عتمة ومخلاف سماه
لا تكتمل صورة عتمة التاريخية بالزراعة والحصون وحدها؛ فالمصادر تشهد كذلك بوجود بيئة علمية فيها.
فالحجري يذكر في عتمة بيوت العلم، ومنها بنو السماوي وبنو المعلمي وبنو الغابري، ويذكر عددًا من المشايخ والعلماء الذين عُرفوا في المنطقة.
ومن هنا تظهر عتمة كمجتمع جمع بين العلم والزراعة والمشيخة.
وقد كان المسجد في المجتمع اليمني القديم والحديث مؤسسة دينية وتعليمية في آن واحد، ولذلك ارتبطت كثير من القرى بمراكز علمية محلية، وتناقلت الأسر الكتب والمخطوطات، وحفظت علوم الفقه واللغة والتاريخ والأنساب.
وهذا الجانب العلمي يحتاج إلى مشروع مستقل لجمع أسماء العلماء والطلاب والمدارس والمكتبات والمخطوطات التي عرفتها عتمة.
الشيخ عبد الواحد بن محسن بن صلاح
شيخ مخلاف سماه وذاكرة العلم والزراعة
ومن الشخصيات التي تستحق الوقوف عندها في تاريخ عتمة الحديث الشيخ عبد الواحد بن محسن بن صلاح، الذي عُرف شيخًا لمخلاف سماه.
وقد جاءت شهادة مهمة في هذا الشأن على لسان اللواء الركن علي محمد صلاح، الذي تحدث عن عتمة ومخلاف سماه، وذكر أن الشيخ عبد الواحد صلاح كان شيخ مخلاف سماه، وأن أبناء المخلاف كانوا معروفين بالتعلم والثقافة.
كما وصف منزله ومزرعته، وأشار إلى أنه كان يعالج الناس، وأن لديه مزرعة تحتوي على البرتقال والعنب وفواكه أخرى لم تكن شائعة في تلك الفترة، كما ذكر وجود مزارع أخرى وطاحونة أحضرها من عدن.
وهذه الشهادة تكشف جانبًا مهمًا من شخصية الشيخ عبد الواحد؛ فهو لم يكن في الذاكرة المحلية مجرد شيخ قبلي، وإنما كان رجلًا ذا اهتمام بالزراعة والمعرفة والعلاج والتجديد.
العالم الزراعي
تتناقل الذاكرة المحلية أن الشيخ عبد الواحد كان من أوائل المهتمين بإدخال وتجريب أنواع مختلفة من الفواكه في مرتفعات المنطقة، ومن بينها البرتقال والعنب والمانجو.
أما المصادر التي أمكن الوصول إليها فتؤكد وجود البرتقال والعنب وفواكه أخرى في مزرعته، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أنه كان أول من أدخل كل نوع من هذه الأشجار إلى جميع المرتفعات الوسطى.
ولهذا ينبغي أن تبقى مسألة السبق الزراعي موضوعًا للبحث والتحقيق، مع الاحتفاظ بأهميتها في الذاكرة المحلية.
وإذا عُثر مستقبلًا على سجلات أو مراسلات أو شهادات معاصرة تؤكد تاريخ إدخال هذه الأشجار، فإن ذلك سيضيف فصلًا مهمًا إلى تاريخ الزراعة اليمنية الحديثة.
الطبيب والشيخ وصاحب التجربة
تصف الروايات المتداولة الشيخ عبد الواحد كذلك بأنه كان يعالج الناس، وهو ما ينسجم مع شهادة علي محمد صلاح التي تذكر أنه كان يقوم بمعالجة الناس بالأدوية الشعبية والطبية.
وفي مجتمع كانت فيه الخدمات الطبية الحديثة محدودة، كان الشخص الذي يجمع بين المعرفة الطبية والتجربة الزراعية والقدرة على القراءة والتعليم يحتل مكانة مميزة.
ومن هنا فإن شخصية الشيخ عبد الواحد تمثل نموذجًا جديرًا بالدراسة لرجل يربط بين العلم التقليدي والتجربة العملية والانفتاح على المعارف الجديدة.
مكتبة الشيخ عبد الواحد: المكتبة المفقودة
ومن أكثر الجوانب التي تستحق البحث في سيرته ما تتناقله الذاكرة المحلية عن امتلاكه مكتبة كبيرة احتوت على كتب ومخطوطات نادرة، من بينها كتب تتعلق بتاريخ عتمة والأنساب والعلوم والزراعة، إضافة إلى بحوث ودراسات كان يجريها بنفسه.
وإذا صحت هذه الرواية، فإن مكتبة الشيخ عبد الواحد لا تمثل مكتبة شخصية عادية، بل قد تكون واحدة من خزائن المعرفة المحلية التي ضاعت أجزاء منها مع مرور الزمن.
ولهذا فإن البحث عن هذه المكتبة ينبغي أن يبدأ من الأسرة وأبناء الشيخ وأحفاده، ومن البيوت التي ربما انتقلت إليها الكتب والمخطوطات.
وقد تظهر في النهاية:
مخطوطات تحمل اسمه.
كتب عليها ختمه.
أوراق وبحوث بخط يده.
سجلات زراعية.
رسائل متبادلة مع العلماء.
وثائق تخص مخلاف سماه.
صور قديمة للمكتبة أو المزارع.
شهادات ممن عرفوه أو عاصروا أبناءه.
وكل وثيقة من هذه الوثائق قد تساعد على إعادة بناء جانب من تاريخ عتمة الحديث.
حصنه ومزارعه
وترتبط الذاكرة المحلية بالشيخ عبد الواحد كذلك بحصن ومزارع في نطاق بني غصين والسند، وهي منطقة تقع ضمن المجال الجغرافي لمخلاف سماه.
وقد أثبت الحجري بني غصين ضمن عزل مخلاف سماه، إلى جانب المطبابة وغيرها من العزل.
وهذا التطابق بين الرواية المحلية والوصف الجغرافي القديم يجعل موقع الحصن والمزارع جديرًا بالتوثيق الميداني، من خلال تحديد الموقع وتصويره وجمع الروايات المتعلقة به ومقارنتها بالوثائق.
التعليم والنهضة العلمية في مخلاف سماه
ومن اللافت أن الرواية المتعلقة بالشيخ عبد الواحد تتقاطع مع ما تذكره المصادر عن وجود بيوت علم في عتمة.
وقد كانت الشهادة التي تحدثت عن الشيخ عبد الواحد واضحة في الإشارة إلى أن أبناء مخلاف سماه كانوا من المتعلمين والمثقفين.
وفي زمن كانت فيه فرص التعليم النظامي والشهادات العليا محدودة في كثير من مناطق اليمن، فإن انتشار التعليم بين أبناء منطقة جبلية ريفية يمثل جانبًا مهمًا من تاريخ المجتمع المحلي.
ومن هنا يمكن دراسة مخلاف سماه باعتباره أحد البيئات التي ظهر فيها اهتمام بالتعليم، إلى جانب المشيخة والزراعة.
لكن وصفه بأنه «الأشهر في اليمن من حيث الشهادات العليا» ينبغي أن يبقى في إطار الاعتزاز المحلي ما لم تتوافر إحصاءات تاريخية تثبت ذلك بالمقارنة مع سائر المناطق.
ريمة ووصاب وعتمة: وحدة في الجغرافيا وتنوع في التاريخ
إذا جمعنا ما تقوله المصادر عن هذه المناطق، ظهرت أمامنا صورة واضحة:
ريمة منطقة جبلية واسعة اشتهرت بالخصب والزراعة.
وصاب منطقة جبلية واسعة ذات تاريخ علمي وعمراني معروف.
وعتمة مخلاف واسع خصب التربة، كثير المنتجات، متعدد القرى والحصون وبيوت العلم.
وبين هذه المناطق شبكة من الجبال والأودية والطرق والمسالك التي جعلت التواصل بينها أمرًا طبيعيًا.
وقد بقيت أسماء كثيرة من هذه الجغرافيا حية في الكتب والقرى، وهو ما يجعل دراسة المكان من خلال الأسماء القديمة واحدة من أهم وسائل البحث في تاريخ اليمن.
بين النص التاريخي والذاكرة المحلية
ومن الضروري عند كتابة تاريخ عتمة وريمة ووصاب التفريق بين مستويات المعرفة.
هناك أولًا المصادر التاريخية والجغرافية القديمة، مثل كتب الهمداني.
وهناك كتب البلدان والأنساب المتأخرة، مثل مجموع بلدان اليمن وقبائلها للحجري.
وهناك الوثائق والمخطوطات المحلية.
ثم تأتي الرواية الشفوية التي حفظها أبناء المنطقة.
ولا ينبغي إهمال الرواية الشفوية؛ فقد تكون الطريق إلى وثيقة ضائعة أو مخطوط مجهول.
لكن لا ينبغي كذلك تقديم كل رواية على أنها حقيقة تاريخية مكتملة قبل مقارنة الرواية بالمصادر والوثائق.
وهذا المنهج هو الذي يمكن أن يحول تاريخ عتمة من مادة متفرقة في الذاكرة إلى مشروع علمي موثق.
عتمة: حين تتحدث الشجرة والحصن والكتاب
إن عتمة التي تستحق أن تُكتب ليست عتمة الحصون وحدها.
وليست عتمة البن وحده.
وليست عتمة الجبال والأودية فقط.
إنها عتمة الإنسان والكتاب والشجرة والحصن والمزرعة والوادي.
هي عتمة المطبابة والأشجار المعمرة.
عتمة البن.
عتمة وادي خبش.
عتمة مخلاف سماه.
عتمة العلماء والمشايخ.
عتمة الحصون والقلاع.
وعتمة الرجال الذين حاولوا أن يفتحوا أبواب المعرفة والزراعة والتجربة في زمن كانت فيه الإمكانات محدودة.
وفي مقدمة هذه الشخصيات التي تستحق مزيدًا من البحث يأتي الشيخ عبد الواحد بن محسن بن صلاح، بما تحفظه الذاكرة المحلية والمصادر المتاحة عن علمه وشيخته واهتمامه بالزراعة والطب والتعليم، وبما تنسب إليه من مكتبة وأبحاث وتجارب زراعية.
خاتمة
إن تاريخ ريمة وعتمة ووصاب لا يمكن اختزاله في صفحات قليلة؛ فهو تاريخ أرض واسعة، حفظت فيه الجبال آثار الإنسان، وحفظت الأودية أسماءها، وحفظت القرى ذاكرة أهلها، وحفظت الكتب القديمة شيئًا من جغرافيتها وأخبارها.
وقد كشفت لنا كتب الهمداني والحجري أن هذه المناطق عرفت منذ زمن بعيد بالزراعة والخصب والعسل والبن، كما عرفت بالحصون وبيوت العلم والأعلام.
أما نحن أبناء المنطقة، فلدينا مسؤولية أخرى: أن نبحث فيما بقي من الوثائق والمخطوطات والصور والروايات قبل أن تضيع.
وأنا، باعتباري أحد أبناء عتمة ومن قرية المطبابة، أرى أن الانتماء إلى المكان لا ينبغي أن يكون مجرد اعتزاز، وإنما ينبغي أن يتحول إلى بحث وتوثيق وحفظ للذاكرة.
فربما يوجد في بيت قديم مخطوط لم يقرأه أحد.
وربما توجد لدى أسرة وثيقة تكشف تاريخ حصن.
وربما تحمل صورة قديمة قصة مزرعة أو عالم أو مدرسة.
وربما بقي من مكتبة الشيخ عبد الواحد كتاب واحد فقط، لكنه قد يكون مفتاحًا لصفحة كاملة من تاريخ عتمة.
إن تاريخ اليمن لم يُكتب كله بعد.
وما زالت في جباله قرى تحمل أسماء قديمة، وفي حصونه حجارة لم تتحدث، وفي البيوت مخطوطات لم تُحقق، وفي ذاكرة كبار السن أخبار لم تصل إلى الكتب.
ومن واجب أبناء هذه الأرض أن يمنحوا تلك الذاكرة فرصة جديدة للحياة.
فحين نحفظ تاريخ المكان، فإننا لا نحفظ الماضي وحده، بل نحفظ حق الأجيال القادمة في معرفة جذورها.
عمرو حيدر صلاح
في الأحد، 13 سبتمبر 2026, 7:43 م Amr Salah
كتب:
المقال قلعة صلاح الوسطى المصنعة أستاذي الصوره صورة حصن آخر هذه الصوره المرفقة في الرسالة هيا الصحيحة