صنعاء نيوز/ قلم: عمرو حيدر صلاح -
تُصنّف قلعة بني أسد، التي سُمّيت نسبةً إلى بني أسد المنتسبين إلى سفيان بن بكيل من همدان، والتي عُرفت تاريخياً باسم حصن عتمة وحصن الحقيبة، كأحد أهم المعاقل الاستراتيجية والعسكرية في جغرافيا وتاريخ اليمن.
التسمية
حصن الحقيبة
سُمّي الحصن بحصن الحقيبة، أو قلعة الحقيبة، نسبةً إلى سوق الحقيبة والبلاد الواقعة في جهته الشرقية.
وقد ذُكر الحصن بهذا الاسم في المصادر التاريخية والجغرافية اليمنية، ومن ذلك ما ورد عن المؤرخ اليمني لسان اليمن نشوان بن سعيد الحميري في مؤلفاته، كما أورده ياقوت الحموي في موسوعته الجغرافية الشهيرة «معجم البلدان».
قلعة بني أسد
قلعة بني أسد هو الاسم الحديث والمعاصر للموقع، وقد أُطلق عليه بعد استيطان قبيلة بني أسد في الجبل والمنطقة المحيطة به، فأصبحت العزلة والحصن يُعرفان باسمهم.
وتنسب الروايات بني أسد إلى سفيان من بكيل همدان، وقد ارتبط اسمهم بالمنطقة والحصن حتى أصبح اسم قلعة بني أسد هو الاسم المتداول للموقع في العصر الحديث.
التجديد الرسولي والأهمية العسكرية
يذكر المؤرخ الحبيشي في كتابه «تاريخ وصابين» أن هذا الحصن نال اهتماماً عسكرياً كبيراً في عهد الدولة الرسولية.
وقام الملك محمد بن علي بن رسول، مؤسس الدولة الرسولية، بتجديد أسوار الحصن وتشييد طرقه المدرجة الوعرة من الجهة الجنوبية الشرقية، وذلك عند نزوله بحملة عسكرية لضم بلاد عتمة إلى حكمه.
وقد منح الموقع الجغرافي للحصن أهمية عسكرية كبيرة، إذ جعله من المواقع القادرة على مراقبة الطرق والمناطق المحيطة، والاستفادة من طبيعة الجبل الوعرة في الدفاع والتحصين.
الوصف المعماري والخصائص الدفاعية
وصفت كتب البلدان والجغرافيا الحصن بأنه من المواقع شديدة التحصين، لما يتميز به من خصائص طبيعية ومعمارية جعلته من المعاقل الدفاعية المهمة.
قمة مسطحة منيعة
يتربع الحصن على قمة جبلية شاهقة ومسطحة، تحيط بها منحدرات وعرة، الأمر الذي منح الموقع طبيعة دفاعية قوية وجعل الوصول إليه من أصعب الجهات.
نظام مدافن الحبوب
يضم الحصن عدداً كبيراً من المدافن والخزانات الأرضية المنقورة في الصخر الأصم، وكانت تستخدم لتخزين الحبوب والمؤن لفترات طويلة أثناء الحصار.
وتذكر الروايات أن عدد هذه المدافن بلغ نحو 360 مدفناً، وهو ما يعكس أهمية الحصن وقدرته على الصمود لفترات طويلة في أوقات الحروب والحصار.
تأمين المياه
يحتوي الحصن على برك مياه ضخمة وكروف لحصاد مياه الأمطار، إلى جانب الكهوف والتجاويف السكنية الواسعة المحفورة في صلب الجبل، والتي استخدمت للسكن والاحتماء وتأمين السكان أثناء الحروب.
الإرث الديني الملازم للحصن
ترتبط بالحصن معالم دينية وأثرية، من أبرزها جامع الحقيبة التاريخي في عزلة بني أسد، بمخلاف رازح.
ويُعد جامع الحقيبة من الجوامع الأثرية القديمة في المنطقة، وقد تميز بنقوشه وسقفه الخشبي المصنوع على الطريقة الإسلامية القديمة، وكان بمثابة هجرة علمية لتدريس العلوم الشرعية.
وقد أسهم وجود الجامع والهجرة العلمية في جعل المنطقة مركزاً من مراكز العلم والتعليم الديني في بلاد عتمة ووصاب.
ملوك وصاب وعتمة وآل صلاح
يمثل تاريخ الحصن جزءاً من تاريخ أوسع ارتبط ببلاد وصاب وعتمة ومخاليفها، وبملوك وصاب المتقدمين والأسر والقبائل التي كان لها حضور ونفوذ في المنطقة.
وتذكر الروايات التاريخية والأنساب اليمنية ملوك وصاب المتقدمين الذين تفرعت منهم قبائل وأسر وجماعات استقرت في وصاب وعتمة، ومن بينهم من تتصل بهم روايات الأنساب المتعلقة بآل صلاح في عتمة ووصاب.
وتُعد آل صلاح من الأسر والقبائل المرتبطة بتاريخ عتمة ووصاب، وقد عُرفت بفروعها ومواطنها في المنطقة، وتتناقل الروايات التاريخية والأنسابية صلاتها ببلاد وصاب وعتمة، وهو ما يجعل تاريخها جزءاً من التاريخ الاجتماعي والقبلي للمنطقة.
ولا يمكن فصل تاريخ الحصون القديمة في عتمة ووصاب عن تاريخ القوى المحلية التي كان لها نفوذ في المنطقة، ومن بينها ملوك وصاب المتقدمون وآل صلاح وغيرها من الأسر والقبائل التي ارتبط تاريخها بالمخاليف والجبال والحصون.
السلسلة التاريخية لملوك وحكام الحصن
وفقاً للروايات التاريخية الواردة في كتب التاريخ والأنساب والبلدان اليمنية، فإن حكم وملكية حصن عتمة، المعروف بقلعة بني أسد والحقيبة، تنقلت بين عدة دول وسلالات وقوى محلية، وذلك لما كان يتمتع به من أهمية عسكرية واستراتيجية كبيرة.
العصر القديم قبل الإسلام
تذكر كتب التاريخ أن أول من ابتنى هذا الحصن العظيم واستولى عليه في الجاهلية القديمة هو الجلندى بن كركر بن المستعير، من عقب بن الأزد، وكان ذلك قبل عصر النبوة بزمن طويل.
ملوك وصاب المتقدمون
ارتبط الحصن بتاريخ ملوك وصاب المتقدمين، الذين كان لهم حضور في بلاد وصاب وعتمة والمناطق الجبلية المحيطة بها.
وتتفرع من تاريخ ملوك وصاب المتقدمين روايات عديدة تتصل بالقبائل والأسر التي استقرت في المنطقة، ومن بينها الروايات التي تتحدث عن قبائل وأسر آل صلاح في عتمة ووصاب، وما ارتبط بها من نفوذ ومواطن وتحالفات في المنطقة.
وقد ظل تاريخ الحصون والمخاليف مرتبطاً بتاريخ القوى المحلية التي تعاقبت على النفوذ في بلاد وصاب وعتمة، ومنها الأسر والقبائل التي كان لها حضور في الحياة السياسية والاجتماعية والعسكرية للمنطقة.
العصر الإسلامي والدول المستقلة
الدولة الصليحية – سنة 455هـ
سقط الحصن تحت حكم الدولة الصليحية في اليمن بقيادة الملك علي بن محمد الصليحي.
وتذكر الروايات أن الصليحيين ولّوا على هذا الحصن والمنطقة أميراً من قبلهم يُدعى الأمير سبأ بن يوسف المنبهي، ليدير شؤون مخاليف عتمة.
وكان الحصن بحكم موقعه الجبلي أحد المواقع المهمة في إدارة المنطقة والسيطرة على الطرق والمنافذ المؤدية إلى عتمة ووصاب.
الدولة الرسولية – القرن السابع الهجري
امتدت سيطرة ملوك بني رسول إلى الحصن، ويُذكر أن الملك محمد بن علي بن رسول، مؤسس الدولة الرسولية، نزل بالحكم فيه بنفسه، وأمر بتجديد عمارة الحصن وأسوارِه الشاهقة وتهيئة طرقه من الجهة الجنوبية الشرقية، ليكون معقلاً سلطانياً تابعاً للدولة.
وقد عكست هذه العناية أهمية الحصن العسكرية والاستراتيجية، إذ كان موقعه الجبلي وتحسين طرق الوصول إليه وتحصين أسواره من الوسائل التي عززت مكانته في السيطرة على المنطقة.
العصر الحديث والتداول القبلي
دولة الأئمة ومشايخ وصاب وعتمة
مع تراجع نفوذ الدول المركزية في بعض المراحل، دارت حول الحصن معارك وصراعات للسيطرة عليه بين قوات أئمة اليمن ومشايخ وقبائل وصاب وعتمة.
وتذكر الروايات المحلية أن من أبرز القوى التي شاركت في تلك الصراعات تحالفات ضمت قبائل وآل صلاح وآل معوضة، إلى جانب مشايخ مخلاف الشرم ونواحيه ومخلاف سماوة أو سماه، وآل سماه الذين تقاسموا النفوذ القبلي في المنطقة في مراحل تاريخية مختلفة.
كما تذكر الروايات أن بعض مناطق النفوذ القبلي تغيرت بعد تلك الصراعات، وأن أجزاء من مناطق آل سماه انتقلت إلى قوى أخرى بعد هزيمتهم أمام قوات الأئمة.
استيطان وملكية بني أسد
في التاريخ القريب، انتقلت الملكية والسيادة الجغرافية والسكانية للحصن والمنطقة المحيطة به إلى قبيلة بني أسد بعد هجرتهم واستيطانهم الجبل والمنطقة المحيطة به.
وتنسب الروايات بني أسد إلى سفيان من بكيل همدان، وأصبح الحصن يُعرف باسمهم «قلعة بني أسد»، وهو الاسم الذي ظل متداولاً حتى يومنا هذا.
كما ارتبطت المنطقة المحيطة بأسوار القلعة بمساكن وديار بني أسد، وأصبح اسمهم جزءاً من الهوية الجغرافية والتاريخية للموقع.
قلعة بني أسد في ذاكرة عتمة ووصاب
تمثل قلعة بني أسد، أو حصن الحقيبة وحصن عتمة، شاهداً على تاريخ طويل تعاقبت خلاله الدول والسلطات المحلية والقبائل والأسر على بلاد عتمة ووصاب.
ويجمع الموقع بين التحصين الطبيعي والمعمار العسكري ومنشآت تخزين الحبوب والمياه والكهوف والممرات الجبلية، إلى جانب الإرث الديني والعلمي المتمثل في جامع الحقيبة والهجرة العلمية المرتبطة به.
كما أن ارتباط الحصن بتاريخ ملوك وصاب المتقدمين، وحكام عتمة، وآل صلاح، وبني أسد، والدول الصليحية والرسولية، يجعل منه أحد المواقع المهمة لفهم التاريخ السياسي والاجتماعي والعسكري لبلاد عتمة ووصاب.
وتبقى قلعة بني أسد، بأسمائها التاريخية المتعددة، شاهدة على عمق التاريخ اليمني وتعدد مراحله، وعلى الدور الذي أدته الحصون الجبلية في حماية السكان والسيطرة على الطرق والمناطق الزراعية والمراكز السكانية في عتمة ووصاب.
في السبت، 19 سبتمبر 2026, 7:21 ص abdulwahed albahri
كتب:
https://sanaanews.net/news-110159.htm
https://sanaanews.net/news-110160.htm
نشر مع الشكر