shopify site analytics
من وراء المسيرة الخضراء/الجزء 15 - هندسة الحرب على باب المندب - منيع يكتب : اهتموا بالجدران وأهملوا الإنسان - قلعة بني أسد – حصن الحقيبة وحصن عتمة - العفو الدولية: قمع احتجاجات إيران تم وفق سياسة دولة منظمة - 1023 طالبًا وطالبة يتنافسون على مقاعد كلية الحاسوب بجامعة عدن - إلى رئيس وزراء العراق: لا تجعل ألمانيا حلمًا زائفًا للعراقيين - ما المطلوب من المنتخب اليمني في خليجي 27؟ - دور الشباب المغربي في التنمية الاقتصادية من الناحية الاجتماعية - الحالُ تَغَيَّر بدخول الحَمْلَة الخُضَر -
ابحث عن:



صنعاء نيوز - كيف حوّل الحوثيون الجغرافيا إلى ورقة ردع تتجاوز حدود اليمن؟

في الحروب الكبرى لا تكون المسألة دائما من يملك السلاح الأقوى، بل من يستطيع أن يجعل استخدام القوة ضده أكثر كلفة .

الأحد, 20-سبتمبر-2026
صنعاء نيوز/ رامي الشمري -


رامي الشمري
20-9-2026
image0.jpeg
كيف حوّل الحوثيون الجغرافيا إلى ورقة ردع تتجاوز حدود اليمن؟

في الحروب الكبرى لا تكون المسألة دائما من يملك السلاح الأقوى، بل من يستطيع أن يجعل استخدام القوة ضده أكثر كلفة .

وهنا تكمن أهمية التطورات الأخيرة في اليمن.

فالتحرك الحوثي على الساحل الغربي، والسيطرة على المخا والتقدم نحو ذباب وباب المندب والوصول إلى جزيرة ميون، لم يعد مجرد تقدم ميداني في حرب يمنية طويلة، بل نقل مركز الثقل من الأرض إلى واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.

المعركة لم تبدأ بالصواريخ، بل بالجغرافيا.

هندسة الميدان

اللافت أن التقدم لم يكن قفزة مباشرة نحو باب المندب، بل مسارا متدرجا: ضغط من عدة محاور، السيطرة على المخا، التقدم نحو ذباب، ثم الوصول إلى ميون داخل المضيق.

وهذه ليست مجرد حركة على الخريطة.

فالسيطرة على الساحل تفتح المجال نحو المضيق، والسيطرة على الجزر تمنح موطئ قدم داخل بيئته البحرية، بينما يوفر التحكم بالمرتفعات مواقع أكثر قدرة على حماية الساحل ومراقبة الحركة فيه.

الأهم أن سقوط المخا جاء بعد ضغط من أكثر من محور وانسحاب قوات مناهضة للحوثيين، بما يكشف أن المسألة لم تكن قوة هجومية فقط، بل استثمارا في نقاط ضعف الخصم وتشتته.

وهنا تظهر هندسة الخطة:

إرهاق الخصم، تفكيك دفاعه، فتح الطريق إلى الساحل، ثم تحويل الجغرافيا إلى قدرة ردع.

لا تحتاج إلى السيطرة على البحر كله إذا استطعت السيطرة على النقاط التي تجعل المرور فيه مكلفا.

من الأرض إلى الاقتصاد

السيطرة على الساحل تعني الاقتراب من البحر، والاقتراب من البحر يعني التأثير في الملاحة والتأمين والشحن والطاقة.

وهنا تتحول الحرب من نزاع يمني إلى أزمة يمكن أن تصل آثارها إلى اقتصادات بعيدة عن اليمن.

التجربة السابقة تكشف حجم هذه الورقة: فقد انخفضت تدفقات النفط عبر باب المندب من نحو 9.3 ملايين برميل يوميا في 2023 إلى 4.1 ملايين في 2024، ونحو 4.2 ملايين في النصف الأول من 2025، فيما اضطرت سفن إلى اتخاذ طريق رأس الرجاء الصالح الأطول والأكثر كلفة.

لذلك فالسلاح الحقيقي ليس الصاروخ وحده.

السلاح الحقيقي هو تكلفة المرور.

وهنا تبدأ المعادلة الأخطر.

لماذا باب المندب قبل السعودية؟

إذا كانت الغاية مجرد الضغط على السعودية، كان يمكن فتح المواجهة معها قبل بناء الورقة البحرية.

لكن الاقتراب من باب المندب أولا يغير طبيعة الصراع.

فالضربة على السعودية من دون ورقة بحرية تبقى مواجهة إقليمية.

أما الضربة بعد امتلاك قدرة أكبر على التأثير في باب المندب، فإنها تضع خلفها سؤالا دوليا:

هل يمكن احتواء الحرب من دون أن تنتقل إلى البحر الأحمر والطاقة والتجارة العالمية؟

عندها تصبح اليمن والسعودية والبحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس والطاقة أجزاء من شبكة واحدة.

وتزداد حساسية هذه الشبكة عند ربطها بمضيق هرمز.

ففي 2023 مر عبر هرمز نحو 21.8 مليون برميل يوميا من النفط والسوائل النفطية، مقابل نحو 9.3 ملايين عبر باب المندب. لكن أهمية باب المندب لا تقاس بالحجم وحده؛ فهو حلقة أساسية في الطريق بين الخليج والبحر الأحمر وقناة السويس وأوروبا.

ولهذا فإن اضطراب المضيقين معا لا يعني فقدان طريقين فقط، بل الضغط على سلسلة النقل والطاقة بأكملها.

معضلة واشنطن

الولايات المتحدة تستطيع ضرب الحوثيين، وهذه ليست موضع شك.

لكن السؤال الاستراتيجي ليس: هل تستطيع واشنطن تنفيذ الضربة؟

بل:

هل تستطيع أن تضمن أن الضربة ستعيد باب المندب إلى وضعه السابق؟

قد تُدمر منصة إطلاق أو مخزن أو موقع عسكري، لكن لا يمكن قصف الجغرافيا، ولا إلغاء كلفة التأمين، ولا إجبار شركات الملاحة على تجاهل المخاطر.

فالضربة المحدودة قد لا تنهي التهديد، والضربة الواسعة قد تحول البحر الأحمر إلى جبهة مفتوحة.

وهنا تصبح المسألة أقل ارتباطا بقدرة واشنطن على الضرب، وأكثر ارتباطا بثمن ما بعد الضربة.

الدولة والجماعة

وهنا يبرز عامل آخر.

الدولة التقليدية تحسب حساب الاقتصاد والأسواق والاستثمارات والاتفاقيات والعلاقات الدولية، بينما تمتلك الجماعات المسلحة هامشا مختلفا لتحمل المخاطر واستخدام التصعيد كأداة تفاوض.

لا يعني ذلك أنها بلا كلفة أو خسائر، لكنه يعني أن دالة الكلفة لديها مختلفة عن دالة الدولة.

والأهم أن سنوات الهدوء النسبي لم تكن فراغا؛ فقد استُثمرت في التجنيد والتعبئة وتطوير القدرات الصاروخية والمسيّرة والإنتاج العسكري المحلي.

لذلك فإن ما يحدث اليوم ليس انفجارا مفاجئا، بل نتيجة تراكم عسكري وجغرافي وسياسي.

أين تبدأ الحرب فعلا؟

لهذا فإن قراءة احتمال الحرب لا ينبغي أن تتوقف عند المؤشرات الطريفة أو الثانوية.

المؤشرات الحقيقية هي حركة الأساطيل، حاملات الطائرات، طائرات التزويد بالوقود، الاستطلاع، الدفاعات الجوية، الانتشار في البحر الأحمر، التنسيق مع السعودية، الاتصالات مع عمان، ومراقبة التأمين البحري وأسعار النفط.

هذه هي لغة الحرب.

أما ارتفاع طلبات البيتزا قرب البنتاغون، فقد يبقى مادة مثيرة للرصد المفتوح المصدر، لكنه لا يكفي لتفسير قرار استراتيجي بهذا الحجم.

الحرب لا تبدأ من مطبخ البنتاغون؛ الحرب تبدأ عندما تتغير بنية الانتشار والقرار.

المعادلة الجديدة

ما تغير في اليمن ليس فقط مساحة الأرض التي أصبحت تحت سيطرة الحوثيين، بل قيمة الموقع الذي وصلوا إليه.

جماعة مسلحة تمتلك الصواريخ والطائرات المسيّرة، وتملك قدرة متنامية على تهديد الملاحة، وتقترب جغرافيا من أحد أهم الممرات البحرية، لا تحتاج إلى قوة بحرية تضاهي الولايات المتحدة حتى تصبح مؤثرة.

يكفي أن تمتلك القدرة على رفع تكلفة المرور.

وهذا هو جوهر الردع الجديد.

ليس الحوثيون أقوى من الولايات المتحدة، والولايات المتحدة ليست عاجزة عن ضربهم.

لكن المشكلة أن نتيجة الضربة قد تكون أوسع من حدود اليمن.

قد تستطيع واشنطن تدمير عشرات الأهداف، وقد تستطيع القوى الإقليمية استعادة بعض المواقع، وقد تستطيع القوى الدولية حماية بعض السفن، لكن إذا بقيت القدرة على تهديد الملاحة قائمة، فإن أصل المشكلة لم ينته.

لذلك فالسؤال الحقيقي ليس:

هل تستطيع أميركا ضرب الحوثيين؟

بل:

هل تستطيع ضربهم ثم منع باب المندب من التحول إلى أزمة دولية؟

هنا تتحول الجغرافيا إلى قوة، والمضيق إلى ورقة سياسية، والحرب اليمنية إلى معادلة تتجاوز اليمن بكثير.

وفي الحروب الكبرى، قد لا تكون القوة في أن تغلق الباب.

أحيانا تكفي القدرة على إغلاقه حتى تجعل العالم يفكر ألف مرة قبل أن يقترب منك.
أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
RSS
حول الخبر إلى وورد

ملخصات تغذية الموقع
جميع حقوق النشر محفوظة 2009 - (صنعاء نيوز)