صنعاء نيوز/ بقلم د. غسان شحرور -
يعدّ المخرج السوري نبيل المالح واحداً من أبرز رواد السينما السورية والعربية، وصاحب تجربة فنية وإنسانية امتدت لأكثر من أربعة عقود. أنجز ما يقارب مئة وخمسين عملاً سينمائياً وتلفزيونياً بين أفلام روائية وقصيرة وأعمال تسجيلية، وشارك في صناعتها مع الجيل الأول من نجوم السينما السورية. ترك بصمته في سينما حملت الهمّ الإنساني والوطني، ولا سيما في أعماله المتعددة المبكرة المرتبطة بفلسطين، وفي أفلامه التي وثّقت تحولات المجتمع السوري. كان يرى في الصورة أكثر من وسيلة للتعبير؛ كانت بالنسبة إليه مساحة للتأمل والوعي، ووسيلة لحفظ ما قد يضيع من ذاكرة الإنسان والوطن.
التقيت نبيل المالح مصادفة في المؤتمر الإسكندنافي التاسع للدراسات الشرق أوسطية، الذي استضافته جامعة لوند العريقة في السويد بين 19 و21 أيلول 2013. حضر المؤتمر عندما ألقيت محاضرة عن التداعيات الإنسانية والصحية للأحداث الجارية في سورية. وبعد المحاضرة دار بيننا حديث قصير على هامش المؤتمر الدولي، لكنه بقي في ذاكرتي طويلاً.
تحدثنا عن سورية، وعن السينما، وعن فلسطين، وعن الاغتراب الذي عاشه هو أيضاً في سنوات من حياته بين دبي والولايات المتحدة. شعرت في حديثه بقلق إنساني عميق تجاه الوطن والإنسان، وبذلك الارتباط الذي لا ينقطع بين المثقف وذاكرته مهما ابتعد المكان.
لكن ما لفتني بصورة خاصة كان أمرًا آخر. فعلى الرغم من تاريخه الطويل ومكانته التأسيسية في السينما السورية، لم أشعر أنه كان يتحدث عن الماضي بوصفه خاتمة تجربته. بدا لي، على العكس، أنه ما زال يرى أمامه مساحة لما يمكن أن يقدمه. تحدث عن اتصالاته بمؤسسات سينمائية وأكاديمية في الولايات المتحدة وغيرها، وعن فرص جديدة كان لا يزال يتطلع إليها، وكأنه يصرّ على أن العمر والظروف والاغتراب لا ينبغي أن توقف رغبة الفنان في صناعة الجديد.
كان في حديثه شيء من طموح المبدع الذي لم يكتف بما أنجزه. وربما كان هذا أكثر ما بقي معي من ذلك اللقاء: أن الإنسان قد يحمل تاريخاً طويلاً خلفه، لكنه لا يتوقف بالضرورة عن النظر إلى ما يمكن أن يصنعه أمامه.
لم يكن حديثنا مجرد حوار بين طبيب ومخرج عن الأحداث الجارية. أخذنا الحديث إلى دور السينما في إغناء التجربة الإنسانية والوطنية، وإلى قدرة الصورة على أن تكون جسراً بين الإنسان وذاكرته، وبين الحاضر وما قد يضيع من الماضي. وربما كان هذا الجانب هو ما بقي معي أكثر من تفاصيل ذلك اللقاء القصير: إحساسي بأنني أمام إنسان لا يرى السينما مجرد صناعة فنية، بل مسؤولية تجاه الذاكرة والإنسان.
كانت الإمكانات التقنية للفيلم متواضعة بمقاييس اليوم، لكن ذلك لم ينتقص من قيمته. على العكس، بدا لي أن صدق التجربة كان أقوى من محدودية الأدوات. كانت الصورة تحفظ شيئاً من زمن مضى، وتوثّق حياة أناس وتحولات مجتمع، وتقول إن ما يمر أمام أعيننا اليوم قد يصبح غداً جزءاً من ذاكرة لا يمكن استعادتها إلا بالصورة.
بعد ذلك اللقاء، حرصت على حضور عرض ومناقشة فيلم توثيقي قديم عن سدّ الفرات، وهو فيلم لم يكن من إخراج المالح، لكنه قدّم حوله تعليقاً ثرياً، مستعيداً أمثلة من الأفلام التوثيقية السورية والعربية في تلك المرحلة المبكرة من السينما السورية. كنت أشاهد الفيلم وأتابع ما قاله المالح هذه المرة بعين مختلفة، ولم أعد أشاهد عملاً توثيقياً قديماً فحسب، بل أثراً تركه الرجل الذي التقيته قبل وقت قصير. وقد دفعتني تلك اللحظة إلى المشاركة في الحوار حول دور الأعمال التوثيقية في تعزيز الذاكرة الجمعية، بوصفها وسيلة لحفظ التجارب الإنسانية من النسيان، ولربط الأجيال بما عاشه الوطن من تحولات.
وهنا فهمت بصورة أعمق ما يمكن أن تعنيه السينما في حياة الشعوب. فالفيلم ليس دائماً مجرد عمل فني ينتهي بانتهاء عرضه. أحياناً يصبح وثيقة وشهادة وذاكرة تنقذ شيئاً من النسيان. وربما كان هذا أحد أهم وجوه إرث نبيل المالح: إيمانه بأن للصورة قدرة على أن تحفظ حضور الإنسان في زمن التحولات الكبرى.
مرت السنوات، وبقي ذلك اللقاء القصير في لوند حاضراً في ذاكرتي. ثم رحل نبيل المالح خارج الوطن بعد سنوات من الاغتراب، حاملاً معه قلقه الإنساني ووفاءه للصورة التي ظلّت بالنسبة إليه وطناً آخر لا يغادره.
وعندما أعود اليوم إلى تلك اللحظة، لا أتذكر فقط مخرجاً عربياً كبيراً، ولا الأعمال التي أنجزها خلال مسيرته الطويلة. أتذكر أيضاً ذلك الطموح الهادئ الذي شعرت به في حديثه، وإصراره الضمني على أن الماضي، مهما كان غنياً، لا ينبغي أن يكون بديلاً عن المستقبل.
أتذكر إنساناً التقيته صدفة بعد محاضرة عن آلام سورية، وتحدثت معه عن الإنسان والوطن والسينما والذاكرة، ورأيت في عينيه فناناً لا يزال يتطلع إلى أن يقدم شيئاً جديداً.
ثم أدركت أن بعض اللقاءات، مهما كانت قصيرة، تترك أثراً يتجاوز زمنها. وربما لهذا السبب نحتفظ بأشخاص عرفناهم، حتى بعد أن يغيبوا. لقد كان نبيل المالح واحداً من أولئك الذين تركوا للصورة مهمة أن تتذكر، وللذاكرة مهمة ألا تنسى.
عرفتهم: زاوية ثقافية دورية يكتبها د. غسان شحرور
|