صنعاء نيوز.. - لتفهموا مايطبخ في المطبخ الدولي وفي أروقة الظل...
وكيف يُصمّم النظام العالمي الجديد...
وكيف سيُدَمّر النظام العالمي القديم..
أرجو القراءة بهدوء وتمَعُّن...
أمريكا.... تدخل اللحظة السوفيتية بالانهيار...
جاءَ غورباتشوف برسالةٍ من الأمريكيّينَ مفادُها الآتي:
سيّد سلوبودان ميلوسوفيتش فكّكَ يوغسلافيا بهدوءٍ أو سنأتي لتفكيكِها بالقوّة.
حاول صدام العبث بالخرائط، ودخل الكويت في "اللحظة السوفييتية"
عزت الدوري:
– يا رفيق.. طلبوا منّا شيئاً، قُلنا لهم لا نقدر عليه. خذوهُ بالقوّة. ...(طلبوا تفكيك العراق)
تم تدبير "الثورة الأميركية" ، وقتل شاوشيسكو
هل دخلت أمريكا اللحظة السوفيتية بالانهيار؟
تبدو الولايات المتحدة وكأنها تدخل "اللحظة السوفييتية، فالقليلونَ فقط من المحلّلينَ والمتابعينَ مَنْ يتذكّر اليوم،ماحدثَ في الماضي القريب، عندما شَهِدَ العالمُ ما يمكنُ تسميتهُ بـ(اللّحظةِ السّوفيتيّةِ عام 1989-1990) آنذاك كانَ الرئيسُ الروسي بوريس يلتسين يترنّحُ من السّكرِ في اللّقاءاتِ الرسميّة، ومعه كانَ الاتّحادُ السّوفياتيّ يترنّحُ دونَ سكرٍ،
وكان "يلتسن" زعيماً كحوليّاً وفاسداً ومُثيراً للسخريةِ، والعالم كلّهُ آنذاك سَخِرَ منهَ ومن بلاده، ومثل عملاقٍ بقدمين من طين، انهارَ الاتّحادُ السوفياتيّ العظيم فجأةً في لحظةٍ ماجنةٍ، حينَ وقعَ انقلابٌ عسكريٌّ انتهى بتفكّكه.
وترنّحَ العملاقُ وسقطَ فجأةً وسطَ ذهولِ العالم. وسلمه غورباتشوف مُفَكّكاً
واليوم تبدو الولاياتُ المتّحدةُ الأمريكيّةُ، وكأنّها دخلت (اللّحظةَ السّوفيتيّة) ذاتها، فثمّة زعيمٌ يترنح، وبلدٌ عملاقٌ يتصدّعُ بطريقةٍ مفضوحةٍ.
ترامب الأمريكيّ من هذا المنظور يُكرّرُ صورةَ يلتسن السّوفياتيّ، ولكنْ بدلاً من أنْ يبدوَ ترامب سكّيراً سيبدوُ مُهرِّجاً.
ماذا يعني هذا؟
يعني هذا ببساطة أنَّ العالمَ دخلَ من جديد في حالةِ سيولة سبقَ وأنْ دخلَها مع انهيارِ الاتّحادِ السّوفيتي
بيد أنَّ العالمَ مع ذلكَ يُعيدُ تشكيلَ نفسهِ كمادّةٍ صلبةٍ من جديد، لأنّهُ يُغادرُ عصراً ويدخلُ عصراً جديداً.
بكلامٍ موازٍ ؛ دونالد ترامب الأمريكيّ هو بوريس يلتسن الروسي، وهما معاً منْ يصنعا اللّحظة ذاتها، فكِلاهما جاءَ للقيامِ بالواجبِ المطلوبِ منه وهو تفكيكُ البلد القديم ببنائِهِ المُتهالِكِ وجدرانِهِ المُتصدّعة.
أحدهما اختارَ شخصيّة (السكّير)، والآخر اختارَ شخصيّةَ ( المهرّج)
إنّها حفلةُ إعادةِ بناءِ العالمِ من جديد، وعلى القادةِ أنْ يتقنّعوا (يتنكرّوا)في هيئةٍ مُحددّةٍ.
ففي عام 1987 نشر المستقبليّ الأمريكيّ "آليفين توفلر" ثلاثةُ كتبٍ هي الأشهرُ بين كتبه (الموجةُ الثالثةُ Third wave، وخرائطُ العالمِ World maps، وتوزيع (تشظّي) السُّلطة Power distribution)؛ ففي الكتاب الأوّل تنبأَ توفلر بانهيارِ الاتّحادِ السوفياتيّ في غضونِ بضعِ سنوات، وهذا ماتحقّقَ بشكلٍ مُذهل، فبعدَ بضعِ سنواتٍ بالفعلِ من صدورِ الكتابِ سقطَ العملاقُ ذو القدمين الطّينيتّين.
وفي هذا الوقت وحين صدرَ كتاب توفلر ، طلب الرئيسَ الروماني شاوشيسكو ترجمة الكتابِ ثمّ وزّعَ بنفسِهِ عشر نسخٍ منه فقط على أعضاءِ في المكتبِ السياسيّ للحزبِ الشّيوعيّ الرّومانيّ، وكان شاوشيسكو مرعوباً ممّا يجري في العالم، وأيقنَ أنَّ هذه النبوءةَ ليست مجرّدَ نبوءة.
وجاءَ غورباتشوف برسالةٍ من الأمريكيّينَ إلى الرئيس اليوغسلافي سلوبودان ميلوسوفيتش مفادها أنْ: فكّكَ يوغسلافيا بهدوءٍ أو سنأتي لتفكيكِها بالقوّة، فقد كان الأمريكيونَ يريدونَ منه تفكيكَ يوغسلافيا إلى (فيدراليّات) وليس تحويلَ يوغسلافيا إلى دولةٍ فيدراليّة؛ أي كانوا يخطّطونَ لتمزيقِها، وكان رسولُهم غورباتشوف هو الدّمية التي تحكّمَ بها السكّير بوريس يلتسن.
وفي اللّحظة، التي كانَ غورباتشوف يقومُ بها بتفكيكِ الاتّحادِ السوفيتي، تمّ تدبيرُ (الثورةِ الأمريكيّة) ضدّ شاوشيسكو التي أنتهت بقتلِهِ، وإعلان رومانيا رسميّاً أنّها بلدٌ (دون ديونٍ خارجيّة) أي صفر ديون.
وفي هذه اللّحظةِ السوفيتيّة المأساويّة، كانَ صدّام حسين يدخلُ الكويت َ، وكان يُدركُ أنَّ خرائطَ العالم التي تَنبّأَ بها " توفلر " وُضِعَت قيد التطبيق، ولذا حاولَ العبثَ بالخرائطِ، وكان أوّل مافعلهُ أنْ جعلَ الكويتَ (محافظةً عراقيّةً) وكانت المعادلةُ بالنسبةِ لبلدٍ طرفيٍّ صغير من بلدانِ العالمِ الثّالث، وهو يراقبُ تفكّك الإمبراطوريّاتِ والدولِ على النحو الآتي:
ما دامَ الأمريكيّونَ سيعبثونَ بخرائطِ العالم، فعلى العالمِ أنْ يعبثَ بخرائطِ أمريكا.
وكانت هناك (خرائط العالم) الجديدةِ التي تنبّأ بها آلفين توفلر.
والأمريكيّونَ كانوا يعرفونَ أنّهم سوفَ يتفكّكونَ كبلدٍ عملاق، بعدَ عقودٍ ثلاثةٍ، أو أكثرَ قليلاً من تفكّكِ الاتّحادِ السّوفياتيّ، لكنّهم قرّروا أنّهم يجبُ أنْ يُفكّكوا العالمَ كلّه خلال 30 عاماً.
وسأُلخّصُ الفكرةَ الجوهريّةَ في كتبِ "آلفين توفلر " الثلاثة، ولمن لايعرف؛ فإن المؤلّفُ كانَ عاملاً في مصانعِ سيّاراتٍ من أصولٍ تروتسكية، لكنّهُ درسَ وأصبحَ أستاذاً جامعيّاً، ثمَّ انضمّ إلى فريقِ المستقبليّين، وهو فريقٌ متخصّصٌ مهمّته التنبؤ بالمستقبلِ. وقالَ وداعاً للشيوعيّةِ وأصبحَ مُوالياً للرأسماليّةِ
وببساطة مرّت البشريّةُ -برأي توفلر- بثلاثِ موجاتٍ كُبرى، الزراعيّة قبلَ 10 آلاف عامٍ، ثمَّ الموجةُ الصناعيّةُ قبلَ بضعةِ قرون،والآن يدخلُ العالمُ عصرَ الموجةِ الثالثة (ما بعدَ العصرِ الصناعيّ: عصرُ السّلعةِ النّاعمةِ، أي الـ Software)
وبرأي توفلر، إنَّ العصرَ الصناعيّ أنتهى واختفى ولمْ يَعُد لهُ وجود، حتى تعبير (لندن مدينةُ الضبابِ) اختفى؛ لأنَّ لندن لمْ تَعُد كما كانت في القرنِ التاسعِ عشر تستخدمُ الفحمَ في التدفئةِ، وبحيث تتشكّلُ سحابةٌ من الضبابِ في سمائِها، لقد اختفى عصرُ المداخنِ والمحتشداتِ العمّاليّة، والأيديولوجيّاتِ الثوريّة الشّيوعيّة، واليساريّة، وثورات اللّاهوت الثوريّ في أمريكا اللّاتينيّة.
وفي هذا السّياق وكما اختفت النّازيّةُ، فسوفَ تختفي الصّهيونيّةُ بما هي نتاجُ هذا العصرِ، وكما تزولُ المصانعُ والمحتشدات ويتلاشى الدُّخانُ، ويحلُّ محلّها نمطٌ جديدٌ من إنتاجِ (السّلعِ الناعمةِ) فسوفَ تذهبُ هذه الأيديولوجيّاتِ هباءً مع الدُّخان، والعالمُ سينتقلُ بالفعلِ إلى عصرِ السّلعةِ الناعمةِ؛ أي أنّه سوفَ يتحوّلُ إلى وادي سيلكون، ولذا اختفى الاتّحادُ السّوفيتي من الوجود.
لكنَّ آلفين توفلر أضافَ ما يأتي:
إنتبهوا، بعدَ خمسة وثلاثينَ أو أربعينَ عاماً سوفَ تختفي الولاياتُ المتّحدةُ الأمريكيّة أيضاً، فقط لأنَّ العصرَ الذي وُلِدَت فيه ووُلد فيه الاتّحاد السوفياتي قد تلاشى وجاءَ عصرٌ جديدٌ،
سوفَ يتمزّقُ المجتمعُ الأمريكيّ بثوراتِ السّودِ " الزنوجِ "، وطموحِ الولاياتِ الغنيّة
وفي هذا الكتابِ أيضاً، تنبّأ توفلر بـأيديولوجيّاتٍ جديدةٍ سوفَ تحلُّ محلَّ إيديولوجيّاتِ العصرِ الصناعيّ، وفي خرائطِ العالمِ تنبّأ بأوروبا أُخرى غير التي نعرفها، حيث سوف تختفي أوروبا الغربيّة التي نعرفها؛ هذه التي قالَ عنها وزيرُ الدّفاعِ الأمريكيّ الاسبق "رامسفيلد"بعدَ أسبوعٍ فقط من احتلالِ العراقِ، ومن العاصمةِ بغداد:
“وداعاً أوروبا العجوز”.
حسب توفلر
هناك أوروبا جديدةٌ تولدُ، هي أوروبا الشّرقيّة (الأرثوذكسيّة من بلغاريا حتّى اليونان)ولذا يحاولُ "الناتو " نشرَ أسلحتهُ في أراضيها بيأس.
إنّها أوروبا الجديدة التي سوفَ تُلاقي روسيا الجديدة وأمريكا الجديدة (بعدَ عشرِ سنوات)
ولأنَّ الولاياتِ المتّحدةَ الأمريكيّةَ هي اليوم في اللّحظةِ السوفيتيّة، فهذا يعني أنَّ العالمَ دخلَ عصرَ (توريعِ السّلطةِ)أو تشظّي السُّلطة.
وفي قلبِ هذه اللّحظةِ التاريخيّةِ أصبحت سورية مطبخَ العالمِ الجديد -ويا للأسف- ؛أيّ المكان الذي سوفَ تتقرّرُ فيه حصصُ وأحجامُ الدولِ.
إنّها المكانُ الذي سوفَ يتمكّنُ فيه العالمُ من الانتقالِ النهائي من (حالةِ السيولةِ) إلى (حالةِ الصَّلابةِ) فلقد لَعِبَ بوريس يلتسن دورَهُ كسكّيرٍ ثمَّ سلّمَ الأمانةَ لبوتين .وترامب اليوم يلعبُ دورَهُ كمهرّجٍ قبلَ أنْ يُسلّمَ الأمانةَ لـ(بوتين أمريكيّ)فيُعيدُ بناءَ أمريكا المُتهالِكة.
وفي مزحةٍ عابرةٍ ؛ قال بوتين تعليقاً على قراراتِ ترامب
“إنّهُ ينفّذُ ما تطلبهُ الآلة ”.نعم، هناك (آلةٌ) تأمرُ الرئيسَ أنْ يبدوَ سكّيراً ، أو مُهرِّجاً، ولكن شرطَ أنْ ينفذَ ، ليس مهمّاً ما هي هيئتهُ، سكّيراً يكونُ، أو مهرّجاً، ليخترَ مايشاء.
المهمُ أنْ ينفّذَ.
وفي نبوءةِ توفلر نقرأ الآتي:
الولاياتُ المتّحدةُ الأمريكيّةُ على طريقِ الاتّحادِ السوفيتي سوف تختفي وتتفكك لكنّها سوفَ تَعودُ في شكلٍ آخر.
وتوفلر لاينطق من فراغ ،إنّهُ ا كاهنٌ في المؤسّسةِ الرأسماليّةِ التي تقبضُ على عنقِ العالمِ ، وقد خرجَ إلى الأسواِق ليتنبأَ مُحذِّراً أنَّ أمريكا دخلت اللّحظة السوفيتيّة، وسوفَ تنهارُ كما انهارَ الاتّحادِ السّوفياتيّ ".
والله أعلم |