صنعاء نيوز -
بقلم: فريد ماهوتشي
في 28 سبتمبر 2026، قدم مجتبى خامنئي صورة شديدة الثقة عن موقع النظام الإيراني في العالم. ففي رسالة بمناسبة ذكرى الحرب الإيرانية العراقية، قال إن بعضهم يعتبر إيران "القوة الرابعة في العالم"، قبل أن يضيف أن "الحسابات الإلهية" تجعلها القوة الأولى. واستند في خطابه أيضًا إلى ما وصفه باستعداد أكثر من 30 مليون إيراني للتضحية، وإلى استمرار حضور أنصار النظام في الساحات والشوارع طوال سبعة أشهر.
لكن المفارقة أن اليوم نفسه حمل صورة اقتصادية مختلفة تمامًا. فقد تجاوز الدولار في السوق الحرة حاجز 240 ألف تومان، مسجلًا مستوى قياسيًا جديدًا، بينما واصل الذهب ارتفاعه وتزايدت التحذيرات داخل مؤسسات النظام من أن التضخم وانهيار العملة لم يعودا مجرد قضية اقتصادية، بل أصبحا عامل ضغط اجتماعي وأمني.
هذا التناقض يطرح سؤالًا مهمًا: إذا كان النظام واثقًا إلى هذا الحد من قوته ومن التأييد الشعبي الذي يتحدث عنه، فلماذا أصبحت السيطرة المستمرة على الشوارع جزءًا مركزيًا من خطابه الأمني والسياسي؟
"الشارع الذي لا يجوز أن يفرغ"
قبل يوم واحد من خطاب خامنئي، قال إمام جمعة كاشان سعيد حسيني إن على عناصر الباسيج إبلاغ المسؤولين الأمنيين عن "أصغر حركة"، وقدم الاستعراض المعروف باسم "جانفدا" باعتباره وسيلة لمواجهة محاولات استغلال الضغوط الاقتصادية لإحداث انقسام داخل المجتمع.
كما ظهرت في منشورات رسمية دعوات واضحة إلى عدم ترك الساحات والشوارع فارغة، انطلاقًا من فكرة أن الخصوم قد يستفيدون من أي فراغ في المجال العام.
هذه اللغة تكشف أن حضور أنصار النظام في الشوارع لا يُنظر إليه باعتباره مجرد استعراض احتفالي، بل كجزء من استراتيجية السيطرة الوقائية. فالمسألة ليست فقط إظهار التأييد، وإنما ضمان ألا تتحول الساحات والأحياء إلى فضاء تستطيع فيه الاحتجاجات أن تبدأ أو تتوسع.
وهنا يصبح قول خامنئي إن أنصار النظام موجودون في الشارع منذ سبعة أشهر أكثر دلالة من وصفه لإيران بأنها "قوة عظمى". فالدولة التي تعتبر استمرار السيطرة على المجال العام عنصرًا أساسيًا في أمنها تعترف، ولو بصورة غير مباشرة، بأن الشارع نفسه يمثل أحد أهم ميادين الصراع السياسي.
"خصم يعتبره النظام حاضرًا"
هذا القلق يظهر أيضًا في طريقة تعامل القضاء مع منظمة مجاهدي خلق والمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية.
ففي 22 سبتمبر، عقدت في طهران الجلسة الخامسة والخمسون من المحاكمة الجماعية التي تشمل 104 من أعضاء المنظمة والمجلس. وتشير التغطيات الرسمية إلى أن القضية ما زالت تُقدَّم باعتبارها مواجهة مستمرة، لا ملفًا يعود إلى عقود مضت.
وفي مرافعات نُسبت إلى محامي المدعين مسعود مداح، جرى التشديد على استمرارية المواجهة بين النظام والمنظمة، مع طرح تفسير واسع لمسؤولية أعضاء الهيكل التنظيمي عن أنشطة المنظمة.
بصرف النظر عن الجدل القانوني والسياسي حول هذه المحاكمة، فإن استمرارها بهذا الحجم يكشف أن السلطة نفسها لا تتعامل مع منظمة مجاهدي خلق بوصفها ظاهرة انتهت تاريخيًا، بل كخصم تعتبره حاضرًا في حساباتها الأمنية والسياسية.
وهذا يفسر جزئيًا لماذا يرتبط خطاب السيطرة على الشوارع بنشاط وحدات المقاومة وشبكات المعارضة داخل البلاد.
"قوة الخارج وقلق الداخل"
شهدت إيران خلال السنوات الماضية موجات متكررة من الاحتجاجات الوطنية والمحلية، من 2009 و2017-2018 و2019 و2022، وصولًا إلى الاضطرابات التي بدأت في أواخر 2025.
وكان رد السلطة في كثير من هذه المحطات أمنيًا: انتشار مسلح، نقاط تفتيش، اعتقالات واسعة، قيود على الإنترنت وتعزيز وجود قوات مكافحة الشغب.
وفي سبتمبر الحالي، تحدث المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية عن وضع القوات الرئيسية في حالة استنفار واسعة، وإلغاء إجازات عناصر أمنية ونشر عشرات الآلاف في طهران. وهذه المعلومات صادرة عن المعارضة ولا يمكن التحقق بصورة مستقلة من جميع تفاصيلها، لكنها تتقاطع مع الوجود الأمني الكثيف والاستعراضات والتعبئة التي ظهرت علنًا خلال الشهر.
المفارقة هنا أن خطاب النظام الخارجي يتحدث عن قوة إقليمية وعسكرية كبرى، بينما يتركز جزء متزايد من موارده الأمنية على مراقبة مجتمعه ومدنه.
"الإكراه بدل الانفتاح"
المؤشرات الأخرى تسير في الاتجاه نفسه. فالمناقشات حول تنظيم الفضاء الإلكتروني تتجه إلى مزيد من التحقق من الهوية والسيطرة على الخدمات الرقمية مع استمرار الحجب. وفي الوقت نفسه، تعرض صحفيون ومحللون محسوبون أصلًا على النظام لأحكام بالسجن أو قيود إعلامية، فيما شهدت الجامعات حالات فصل وتعليق للدراسة مرتبطة بالنشاط السياسي.
وتظهر المفارقة نفسها في قضية الحجاب الإجباري. فقد ترددت السلطة أكثر من مرة في تطبيق إجراءات أشد خشية رد الفعل الشعبي، لكن رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي عاد في 28 سبتمبر إلى مطالبة النيابات والشرطة والأجهزة الأمنية بمواجهة ما سماه "الظواهر غير الطبيعية" و"العري"، داعيًا المسؤولين إلى عدم الخوف من الضجيج الذي قد يرافق تلك الإجراءات.
وهكذا يتحرك النظام بين إدراك خطر الإكراه وبين العودة إلى مزيد من الإكراه.
"ما الذي تقوله القوة فعلًا؟"
لا تعني كل هذه المؤشرات أن النظام على وشك الانهيار، كما لا يمكن قياس مدى التأييد الشعبي أو توقع توقيت احتجاجات جديدة من خلال إجراءات أمنية وحدها.
لكنها تسمح باستنتاج أكثر دقة: الداخل الإيراني يحتل اليوم موقعًا مركزيًا في حسابات السلطة.
فالعملة تتراجع إلى مستويات قياسية، والتضخم يتحول إلى قضية أمنية في خطاب بعض المسؤولين، والوجود الأمني في المدن يتوسع، والسلطة تستثمر في إبقاء أنصارها بصورة مستمرة في المجال العام، بينما تواصل مراقبة الخصوم وتشديد القيود السياسية والاجتماعية.
لذلك، فإن أكثر ما يكشفه خطاب مجتبى خامنئي ليس وصف إيران بالقوة الرابعة أو الأولى. الأكثر دلالة هو نوع الأدلة التي استخدمها لإثبات القوة: ملايين المستعدين للتضحية، وحضور متواصل في الساحات، وشارع يجب ألا يُترك فارغًا.
قد يكون النظام مهتمًا بإظهار القوة في الخارج، لكن جزءًا مهمًا من حساباته اليومية يكشف أن الاختبار الذي يشغله باستمرار موجود في الداخل. |