صنعاء نيوز/ احمد الريفي - من صفحته على فيسبوك -
دموع الطفلة اليمنية عند تسجيل منتخب اليمن الهدف الرابع في مرمى منتخب البحرين الشقيق لم تكن دموع فرح فقط، بل كانت دموع حسرة ووجع. طفلة عاشت معظم حياتها في زمن الحرب ونزيف الدم اليمني، فكيف يمكن لفرحة عابرة أن تمحو من داخلها سنوات الخوف والفقد والألم؟
ربما كانت تلك الدموع تعبيرًا لا إراديًا عن هزيمة داخلية نعيشها جميعًا، هزيمة تتسلل إلينا حتى في أكثر لحظات الفرح، بعد أن رأينا بلدنا يمضي، عامًا بعد آخر، من سيئ إلى أسوأ، ومن هزيمة إلى أخرى.
هذا المنتخب، الذي جاء أبناؤه من بين أزيز الرصاص وبيانات الفقدان والجنازات اليومية، ومن وطن يتسع فيه التشظي والانقسام، كيف له أن يفوز في كرة القدم ويصنع فرحة وسط كل هذا الحزن المتراكم؟
اليمن الكبير بحضارته وتاريخه وموقعه وتنوعه وثرواته تتنازعه مشاريع الموت والتخلف، وصراعات الإقليم والعالم. شُرّد منه الملايين، ولازم الخوف والجوع والبؤس ملايين آخرين في الداخل.
كانت دموع الطفلة نزيفًا لا شعوريًا وهي تقف بين مشهدين متناقضين: أمامها منتخب يبدع ويفوز ويعزف سيمفونية الفرح، وخلفها بلد منهك، مثخن بالجراح.
ربما كانت تشتاق إلى بلدها؛ إلى أن تعيش فيه، وأن تذهب إلى مدرستها بأمان، وأن تتعلم في بيئة تعليمية عصرية لم تطلها يد العبث والتحريف والتخلف.
لكنها اليوم في جدة، في بلد آخر، بعدما دفعتها ظروف الحرب، بشكل أو بآخر، إلى مغادرة وطنها.
إن الآثار النفسية التي خلفتها الحرب في نفوسنا غائرة ودامية، حتى صار للحزن واليأس مساحة واسعة تطغى أحيانًا على مساحة الفرح. وربما لهذا أصبحت الدموع أقرب إلى اليمني في كل المواقف، في الفرح كما في الحزن.
شهدتم الصورة، وشاهدتم مشهد اجهش بالبكاء. لم تكن تلك الطفلة تبكي فوز المنتخب فحسب؛ كانت تصرخ، ببراءتها، رفضًا لكل هذا الوضع، وتبحث عن وطن أكثر أمنًا واستقرارًا، وطن يليق باليمن وتضحيات أبنائه وتطلعات أجياله.
كانت تذرف دموعها في لحظة فرح، وهي في الوقت نفسه ترفع علم اليمن عاليًا.
إنها رسالة لكل المسؤولين، وتجار الحرب، وأدوات الخارج، وكل من يملك سلطة أو نفوذًا أو قرارًا:
ارفعوا اليمن عاليًا فوق رؤوسكم، وتخلصوا من أطماعكم وأهوائكم التي تمزق ولا تجمع، وتهدم ولا تبني.
نحن في مرحلة تُسكب فيها دموع اليمنيين ودماؤهم أكثر مما تُبنى المدارس والمستشفيات والمصانع، وأكثر مما تُرسم خطط التنمية واستعادة الدولة.
دموع كثيرة تُذرف على ضحايا الحرب اليومية، وأخرى صامتة داخل البيوت من ألم الجوع وقلة الحيلة. ودموع جامدة في عيون أطفال يرون مستقبلهم يُسرق منهم، وشباب تُهدر طاقتهم وسنوات قوتهم في صراعات جعلتهم يشيبون وهم ما زالوا في ريعان الشباب.
هي أيضًا دموع مرضى يعجزون عن توفير الدواء أو الوصول إلى فرص العلاج، في بلد يدفع فيه ضعف الخدمات الصحية ثمنًا باهظًا من أرواح أبنائه. وهي دموع ملايين الأسر التي عجزت عن توفير تعليم عصري ومستقبل آمن لأبنائها.
مأساتنا أكبر من أن تختصرها دموع طفلة في لحظة فرح. فما بالكم بدموع الثكالى، والجائعين، واليائسين، والمخدوعين، والمسلوبين رواتبهم وحرياتهم وحقوقهم؟
هذا وجع لا يُحتمل، ونزف غائر في الروح يتسع كل لحظة، بعد سنوات من اليأس من قدرة السياسة وتجار الحروب على استعادة الدولة والأمن والاستقرار والسيادة، في بلد يفقد كل يوم شيئًا من مقومات قوته ومداميك مستقبله.
بلد يستنزفه الموت في كل لحظة، وتتسابق عليه المآسي بتسارع مريب، وكأن قدر اليمنيين أن يبقوا عالقين في طريق الموت والخراب.
وفي هذه اللحظة تستوحي ذاكرتي وصف بصير اليمن وشاعره الكبير عبدالله البردوني في قصيدته «غريبان وكانا هما البلد»:
««من مات يا ابني؟ من الباقي؟ أتسألني!
فصول مأساتنا الطولى بلا عدد»»
وكأن مأساتنا الطولى بالفعل بلا عدد؛ تتناسخ وتتكرر، حتى تحولت دموع الفرح إلى حزن، وملامح النشوة إلى انكسار.
فماذا تنتظرون؟
ماذا ننتظر ونحن نورّث أطفالنا وأجيالنا الحزن والهزائم، ونحمّلهم تركة ثقيلة من مشاريع الماضي المتخلفة، وبيئة هشة مليئة بالألغام والحفر أكثر من كونها مليئة بمقامات الوثب نحو الغد؟
ربما كانت تلك الطفلة، دون أن تقصد، أكثر صدقًا من كثير من خطاباتنا.
رفعت علم اليمن، وفرحت بفوز منتخبها، ثم بكت.
وفي دموعها كان اليمن كله حاضرًا. |