shopify site analytics
طب الأسنان بجامعة عدن توظف الذكاء الاصطناعي في تطوير توصيف المقررات - من وراء المسيرة الخضراء/الجزء 21 - لماذا لم تصبح المعرفة النفسية جزءًا من الوعي العربي؟ - بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام - وفاة طفلين غرقًا في سد الجبجب بمديرية جهران في محافظة ذمار - غياب محاسبة الاحتلال يؤجج هجماته في غزة والضفة - تنمية المهارات والمعهد الوطني للعلوم الإدارية يطلقان برنامج تحليل الوظائف لكوادالبريد - ما هكذا تورد الإبل يا إسماعيل مطر !.. - اللواء صلاح يدشن المرحلة الأولى من مشروع إعادة تأهيل الدائري الغربي - إجتماع الهيئة الإدارية لفرع اتحاد بناء الأجسام لمناقشة خطط تفعيل الأنشطة للعبة -
ابحث عن:



صنعاء نيوز - في عالمٍ تتسارع فيه الضغوط وتتشابك فيه الأزمات، لم يعد القلق حالة فردية، بل أصبح جزءًا من المشهد الإنساني العام. وفي الوقت

الأحد, 11-أكتوبر-2026
صنعاء نيوز/ بقلم د غسان شحرور -
لماذا لم تصبح المعرفة النفسية جزءًا من الوعي العربي؟


في عالمٍ تتسارع فيه الضغوط وتتشابك فيه الأزمات، لم يعد القلق حالة فردية، بل أصبح جزءًا من المشهد الإنساني العام. وفي الوقت الذي تتعامل فيه المجتمعات الحديثة مع هذا التحوّل عبر بناء ثقافة نفسية واسعة وميسّرة، ما تزال المعرفة النفسية في العالم العربي تتحرك ببطء، وكأنها تقف عند حدود الطب لا تتجاوزها إلى فضاء الثقافة والحياة اليومية.
هذا التفاوت يطرح سؤالًا جوهريًا: لماذا لم تصبح المعرفة النفسية جزءًا راسخًا من الثقافة العربية؟

في المكتبات الأوروبية والأمريكية، يمكن للقارئ أن يعثر إلى جانب الكتب الأدبية والعلمية على مجلات ومنشورات تُحادثه عن عالمه الداخلي: القلق، التوتر، العلاقات، النوم، التربية، وإشارات الجسد. ومن بين هذه المطبوعات Psychology Today، وScientific American Mind، وMindful Magazine، وThe Psychologist الصادرة عن الجمعية البريطانية لعلم النفس.
ولا تكمن قيمة هذه الدوريات في وجودها الورقي وحده، بل في الفكرة التي تمثلها: أن المعرفة النفسية جزء من الثقافة العامة، وأن الإنسان يحتاجها لفهم ذاته والآخرين، ولحماية علاقاته وقدرته على مواجهة الحياة.

حاجة عالمية وثغرة عربية

الحاجة إلى الوعي النفسي ليست افتراضًا نظريًا. تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 970 مليون شخص كانوا يعيشون مع اضطراب نفسي في عام 2019، أي ما يقارب شخصًا من كل ثمانية أشخاص في العالم، وكانت اضطرابات القلق والاكتئاب من أكثر الحالات شيوعًا. وتؤكد المنظمة أن الصحة النفسية ليست مجرد غياب المرض، بل عنصرًا أساسيًا في قدرة الإنسان على التعلم والعمل وبناء العلاقات والمشاركة في المجتمع.

وفي إقليم شرق المتوسط، تبدو الحاجة أكثر إلحاحًا. فوفق أحدث بيانات المنظمة، تؤثر اضطرابات الصحة النفسية في نحو 16.24% من سكان الإقليم، مع فجوة علاج قد تصل إلى 90% في بعض البلدان. وفي الوقت نفسه، ما تزال الوصمة ونقص الموارد وضعف دمج الصحة النفسية في الرعاية الأولية من أبرز التحديات.

هذه الأرقام لا تعني أن المجتمعات العربية خالية من المبادرات أو المعرفة المتخصصة؛ فهناك جامعات ومراكز ومنصات رقمية ومنظمات أهلية تعمل بجدّ في هذا المجال. لكن المشكلة الأوسع هي أن المعرفة النفسية لم تتحول بعد إلى ثقافة يومية راسخة تصل إلى الأسرة والمدرسة ومكان العمل والفضاء الثقافي.

لماذا تأخر هذا التحول؟

جزء من الإجابة يكمن في الطريقة التي تعاملت بها مجتمعاتنا طويلًا مع الألم النفسي. فبينما كان الألم الجسدي يُنظر إليه باعتباره مرضًا يستحق التشخيص والعلاج، ظل الألم النفسي في كثير من البيئات محاطًا بالخجل أو الخوف من الوصمة أو التفسير الأخلاقي والاجتماعي.

وتشير مراجعات منظمة الصحة العالمية في المنطقة إلى أن الوصمة والخوف من التصنيف الاجتماعي يدفعان كثيرين إلى تأخير طلب المساعدة أو تجنبها. كما أظهرت دراسات إقليمية أن ضعف المعرفة بالصحة النفسية يرتبط بنظرة أكثر سلبية إلى المرض والعلاج.
لكن اختزال المشكلة في الوصمة وحدها لا يكفي.

هناك أيضًا فجوة بين المعرفة المتخصصة والمجتمع. تنتج الجامعات والأطباء والباحثون معرفة مهمة، لكن جزءًا كبيرًا منها يبقى في المقالات الأكاديمية والمؤتمرات والعيادات، ولا يتحول بالقدر نفسه إلى محتوى ثقافي عربي رصين يستطيع القارئ العادي أن يقرأه دون أن يشعر بأنه يقرأ كتابًا في الطب النفسي.

وهنا تظهر أهمية الإعلام الثقافي.

من العلاج إلى الثقافة

حين لا يجد الإنسان معرفة موثوقة تساعده على فهم القلق أو الحزن أو الوحدة أو اضطرابات النوم أو ضغوط التربية، فإنه سيبحث عن إجابات في مكان آخر. وقد يجدها في وسائل التواصل الاجتماعي، أو في نصائح غير مختصة، أو في وصفات شعبية، أو في محتوى مبالغ فيه يخلط بين التوعية والتشخيص.

المشكلة إذن ليست نقص المعلومات فقط، بل نوعية البيئة التي تنتج المعلومات وتمنحها شرعيتها.

الثقافة النفسية الناضجة لا تعني أن يتحول كل إنسان إلى طبيب نفسي، بل أن يعرف متى يكون القلق جزءًا طبيعيًا من الحياة، ومتى يصبح معطّلًا؛ أن يدرك أن طلب المساعدة ليس عيبًا؛ أن يعرف كيف يتحدث مع طفل أو مسنّ أو شخص يعيش أزمة؛ وأن يفهم أن الصحة النفسية تتأثر بالفقر والعنف والحرب والعزلة والمرض والإعاقة وفقدان العمل وغيرها من الظروف التي يعيشها الإنسان.

وهذا تحدٍّ ثقافي بقدر ما هو تحدٍّ صحي.

أين هي الصحافة النفسية العربية؟

من هنا يمكن فهم أهمية السؤال عن غياب أو ندرة المطبوعات العربية المتخصصة في الصحة النفسية للجمهور العام.
لا يعني ذلك أن العالم العربي يفتقر إلى كل محتوى نفسي، فهذا غير صحيح. وإنما نفتقر، مقارنة بحجم الحاجة، إلى منظومة ثقافية إعلامية مستقرة تجعل المعرفة النفسية مادة منتظمة وموثوقة وميسّرة، لا موسمية تظهر في اليوم العالمي للصحة النفسية ثم تختفي.

نحتاج إلى منصات لا تتحدث فقط عن الاضطرابات، بل عن الإنسان نفسه: كيف نربي؟ كيف نحزن؟ كيف نتعامل مع الشيخوخة؟ كيف نحافظ على العلاقات؟ كيف نفهم الوحدة؟ كيف نواجه ضغوط العمل والدراسة؟ وكيف نميز بين النصيحة العامة والحاجة إلى تدخل متخصص؟

وجود مثل هذه الصحافة يمكن أن يؤدي وظيفة وقائية مهمة: نقل المعرفة من المختصين إلى المجتمع قبل أن تصل المشكلات إلى مرحلة تستدعي تدخلًا أكثر تعقيدًا.

إرث شخصي في خدمة الوعي الإنساني

على مدى أكثر من عقدين من العمل في قضايا الصحة والإعاقة والشيخوخة وحقوق الإنسان والعمل الإنساني، تعلمت أن كرامة الإنسان لا تحميها القوانين والمؤسسات وحدها. إنها تحتاج أيضًا إلى معرفة تساعده على فهم هشاشته، والتعبير عن ألمه، وطلب المساعدة دون خوف أو خجل.

وفي مشاركاتي في قضايا التطوع والشيخوخة والعمل الإنساني والثقافي، كان يتضح لي باستمرار أن الإنسان ليس جسدًا منفصلًا عن مشاعره وعلاقاته وبيئته. ومن هنا أصبحت الصحة النفسية بالنسبة إلي جزءًا من مفهوم أوسع للكرامة الإنسانية، وليست قضية علاجية منفصلة.

هذه التجربة تجعلني أرى أن الاستثمار في المعرفة النفسية العربية ليس استثمارًا في قطاع صحي فحسب، بل في الإنسان نفسه.

نحو ثقافة نفسية عربية حيّة

المطلوب ليس استنساخ المجلات الغربية، ولا نقل المصطلحات النفسية إلى العربية بصورة آلية. المطلوب بناء ثقافة عربية قادرة على إنتاج معرفة نفسية موثوقة، مفهومة، وحساسة للسياق الاجتماعي والثقافي.

يمكن أن تبدأ هذه الثقافة من منصات رقمية ومجلات إلكترونية وملاحق ثقافية وبرامج مدرسية ومحتوى إعلامي مسؤول، تشارك في إنتاجه الجامعات والمختصون والكتاب والصحفيون، وتصل إلى الهاتف كما تصل إلى المكتبة.

والأهم أن تتغير النظرة: من الصحة النفسية باعتبارها موضوعًا يظهر عندما يقع المرض، إلى المعرفة النفسية باعتبارها جزءًا من التربية والثقافة والوقاية وجودة الحياة.

فالمجتمع الذي يعلّم أطفاله القراءة والرياضيات والتاريخ، يحتاج أيضًا إلى أن يعلّمهم شيئًا عن الخوف والحزن والغضب والتعاطف والعلاقات وطلب المساعدة.

المعرفة النفسية ليست رفاهية، بل إحدى اللغات التي يحتاجها الإنسان لفهم نفسه وفهم الآخرين.

*مقال الدكتور غسان شحرور بمناسبة* اليوم العالمي للصحة النفسية الموافق العاشر من أكتوبر/ تشرين أول 2026
أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
RSS
حول الخبر إلى وورد

ملخصات تغذية الموقع
جميع حقوق النشر محفوظة 2009 - (صنعاء نيوز)