صنعاء نيوز -
تقف العاصمة الإيرانية في خريف عام 2026 أمام استحقاق تاريخي كاشف لموازين القوى الحقيقية؛ حيث أضحت معادلة بقاء النظام السياسي تواجه اختباراً وجودياً وبنيوياً غير مسبوق. فبينما تتجه الأنظار الاستراتيجية غالباً نحو التوترات الإقليمية والتهديدات العسكرية الخارجيّة، تكشف القراءة الميدانية الدقيقة لواقع الاقتصاد والمجتمع الإيرانيين أن مركز الثقل في معادلة الاستقرار والاستمرار قد انتقل بالكامل إلى الجبهة الداخلية، لتتحول الأزمة المعيشية وفقدان الثقة التنظيمية إلى التحدي الوجودي الأكثر خطورة على بنية السلطة.
تحول العقيدة الأمنية: من الردع الخارجي إلى الخوف الميداني
تشير القراءات السياسية لتصريحات رئيس الحكومة الإيرانية، مسعود بزشكيان، إلى تحول عميق في مصفوفة المخاطر التي ترصدها مؤسسات صنع القرار في طهران. فالحديث الرسمي المعلن عن المقدرة على التعامل مع الضغوط العسكرية والاستهدافات الصاروخية الخارجيّة، مقابل الإقرار المباشر بعجز أدوات الدولة عن احتواء الشلل الاقتصادي والتراجع المعيشي، يمثل تراجعاً صريحاً لعقيدة التعبئة التقليدية.
إن الدلالة الجوهرية في هذا السياق تتجاوز حدود إدارة الأزمات اليومية؛ إذ إنها تعكس إدراكاً رسمياً لتآكل القواعد التقليدية التي اعتمدت عليها السلطة لعقود. فعندما تتراجع القوة التسكينية للشعارات المصلحية والأيديولوجية أمام حجم الضغوط المالية المتزايدة، يصبح التماسك الاجتماعي متغيراً حرجاً يهدد شرعية الأداء الحكومي. ووفقاً لتقارير مراكز الرصد الاقتصادية والميدانية المستقلة، فإن انخفاض القدرة الشرائية واتساع فجوة التضخم أديا إلى صياغة واقع جماهيري يتميز بالحساسية المفرطة تجاه أي قرار اقتصادي، مما يضع أجهزة التخطيط الاستراتيجي أمام مأزق ممتد.
استعراض المضائق كآلية تصدير ومناورة أمنية
في مقابل تزايد الضغوط الاقتصادية المباشرة، تتزايد وتيرة المناورات الاستكشافية والرسائل العسكرية المُوجهة للإقليم، ولا سيما التلويح المستمر بالتحكم في الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز أو التباهي بالقدرات الصاروخية والتكنولوجية. ووفق التحليل الجيوسياسي، لا يُمكن فصل هذه التحركات عن أبعادها الوظيفية في الداخل الإيراني؛ إذ تُستخدم عادة لاستدعاء حالة من التعبئة العامة ولخلق بيئة أمنية ضاغطة تتيح فرض خيارات متشددة على المشهد المحلي.
غير أن نجاعة هذه السياسة تُواجه بحدود استراتيجية صارمة؛ إذ إن التركيز على إبراز أدوات الردع الميداني خارج الحدود لا ينعكس مباشرةً على مؤشرات الأسواق المالية ولا على معيشة المواطنين في المراكز الحضرية الكبرى مثل طهران، وتبريز، ومشهد، والأهواز. ووفق شواهد مستقلة، فإن الرأي العام المحلي بات أكثر قدرة على التمييز بين ملفات التنافس الإقليمي وبين متطلبات الحياة اليومية، مما يجعل استعراض القوة الخارجية غير قادر على حجب التحديات الهيكلية الناجمة عن إدارة الموارد وإمدادات الطاقة.
اقتصاد الموازية وتحكم شبكات النفوذ في المقدرات
لا تقتصر أبعاد الأزمة على تراجع الموارد، بل تمتد إلى طبيعة الإدارة المالية والآليات المتبعة في توزيع الثروة السيادية. وتكشف البيانات والمناقشات النيابية الصريحة التي جرت مؤخراً في البرلمان الإيراني — لا سيما ما أدلى به شمس الدين حسيني، رئيس اللجنة الاقتصادية البرلمانية — عن وجود آليات غير رسمية لإدارة مبيعات النفط وتحديد هوية المشتريين خارج المنظومة الرقابية التقليدية لـ "ديوان المحاسبة العام".
إن إسناد مهمة الرقابة والتدقيق في الملفات المالية والنفطية إلى مؤسسات أمنية وسيطة، مثل وزارة المخابرات والأجهزة التابعة لـ "حرس النظام الإيراني"، أدى إلى خلق "اقتصاد موازٍ" يتسم بالغموض وتشتت المسؤولية. وتُظهر القراءات التحليلية الصادرة عن مراقبي الشفافية الدولية أن هذه الهيكلية تعزز من نفوذ التكتلات المالية والأمنية على حساب الموازنة العامة للدولة؛ مما يحرم القطاعات الخدمية والتنموية من التمويل الحيوي، ويصعد من حالة الاحتقان العمالي والنقابي في المصانع والجامعات وأسواق العمل.
سيناريوهات الانفجار وحتمية التحول البنيوي
إن التداخل بين الفساد البنيوي وتراجع التغطية الخدمية يضع البلاد أمام مسارات معقدة مفتوحة على كافة الاحتمالات. فمع استمرار نزيف القدرة المعيشية للشرائح الوسطى والفقيرة، تشير حركة الاحتجاجات الميدانية والبيانات الصادرة عن مراكز الرصد المستقلة إلى أن سلوك الشارع يتجه نحو أشكال أكثر تنظيماً وقدرة على الصمود والمواجهة .
ولم تعد مسألة إدارة الأزمة تقتصر على تراشق المسؤوليات بين الأجنحة السياسية المتنافسة داخل السلطة؛ فالخلل الحاصل هو نتيجة تراكمية لنموذج اقتصادي سياسي آثر تمويل التمدد والسيطرة الأمنية على حساب الأمن الغذائي والاجتماعي. وفي ظل هذه المعطيات، تؤكد التحليلات الاستراتيجية أن الاستحقاق القادم يتوقف على مدى قدرة القوى المجتمعية والشعبية على فرض معادلة تغيير جذرية تتجاوز الحلول الجزئية، لتأسيس نموذج يضمن استعادة الثروات الوطنية، وتحقيق الاستقرار النابع من إرادة المواطنين بعيداً عن أشكال الاستبداد كافة.
د. مصطفى عبدالقادر آكاديمي وأستاذ جامعي |