صنعاء نيوز - خالد رغدان يكتب: القلب والتنفس.. استجابة الخوف داخل الصدر
قد يؤدي القلق إلى تسارع ضربات القلب والشعور بالخفقان أو ضيق النفس أو الدوار ولا سيما أثناء نوبات الهلع وقد يسهم التنفس السريع في إحداث تغيرات فسيولوجية تزيد الإحساس بالدوار والتنميل وضيق الصدر، فتتشكل دائرة متبادلة بين الإحساس الجسدي والخوف منه.
لكن من الضروري عدم افتراض أن الخفقان أو ألم الصدر أو ضيق التنفس نفسي المنشأ قبل تقييم الأسباب الطبية المحتملة، خاصة إذا كانت الأعراض جديدة أو شديدة أو مصحوبة بعلامات إنذار.
أولا: النوم والطاقة.. حين يستمر العقل في حالة الاستنفار
قد تجعل الضغوط النفسية الإنسان في حالة تأهب حتى عندما يكون في فراشه. فيتأخر النوم، أو يتكرر الاستيقاظ، أو يصبح النوم أقل إشباعا وينعكس ذلك على التركيز والطاقة والقدرة على تنظيم الانفعالات في اليوم التالي.
ومع استمرار هذه الدائرة، قد يصبح الإنسان أكثر حساسية للألم وأكثر تأثرا بالمواقف اليومية، فيبدو وكأن قدرته على التحمل قد تراجعت، بينما يكون جزء من المشكلة مرتبطا بتراكم الإرهاق واضطراب التعافي.
وتتسق هذه المسارات مع الأدلة التي توضح أن الضغط النفسي يؤثر في أنظمة فسيولوجية متعددة وأن انعكاساته الجسدية تختلف باختلاف الأفراد والظروف.
ثانيا: لماذا تختلف الاستجابة الجسدية من شخص إلى آخر؟
إذا كان الضغط النفسي يؤثر في الجسم، فلماذا تظهر الأعراض لدى شخص ولا تظهر بالدرجة نفسها لدى آخر يمر بظروف مشابهة؟
لا توجد إجابة واحدة تفسر جميع الحالات، لكن الأدلة تشير إلى تفاعل مجموعة من العوامل، من بينها الاستعداد البيولوجي والخبرات المبكرة والتعلم السابق، وأساليب تنظيم الانفعالات وجودة النوم والدعم الاجتماعي وطبيعة الظروف الراهنة.
ومن العوامل المهمة أيضا طريقة تفسير الإشارات الجسدية، فعندما يشعر شخص بخفقان عابر، قد يفسره على أنه استجابة مؤقتة للتوتر، بينما قد يفسره آخر بوصفه علامة على خطر صحي وشيك ويمكن للتفسير الكارثي، عندما يتكرر، أن يزيد القلق والاستثارة الجسدية، فيصبح الإحساس أكثر وضوحا وإزعاجا.
وقد تتكون دائرة تغذية راجعة على النحو الآتي: إحساس جسدي، ثم تفسير مخيف، ثم زيادة في القلق، ثم اشتداد الإحساس، ثم ارتفاع مستوى الخوف وكلما انشغل الإنسان بمراقبة جسده بحثا عن علامات الخطر، ازدادت احتمالية ملاحظته لإشارات طبيعية أو بسيطة وإعطائها معنى تهديديا.
ومع ذلك، فإن الانتباه إلى الجسد ليس مشكلة في حد ذاته، كما أن الخوف من المرض لا يعني أن الشخص يتعمد تضخيم أعراضه إنما تكمن الصعوبة عندما يصبح تفسير الإشارات الجسدية مصدرا مستمرا للضيق والتعطيل ويحتاج حينها إلى تقييم وفهم وعلاج مناسبين.
ثالثا: هل يمكن أن تكون المشاعر المكبوتة سببا للألم؟
تشيع فكرة أن كل ألم جسدي هو تعبير عن مشاعر مكبوتة لم يستطع الإنسان إخراجها بالكلام ورغم أن صعوبة التعبير عن المشاعر قد ترتبط لدى بعض الأشخاص بزيادة الضيق النفسي أو تعقيد التعامل مع الأعراض، فإن اختزال الألم في مشاعر مكبوتة تفسير يتجاوز ما تسمح به الأدلة العلمية.
الأدق أن نقول إن الإنسان قد يواجه صعوبة في تحديد مشاعره أو تسميتها أو التعبير عنها وقد يستمر في أداء واجباته رغم الخوف والحزن والغضب وفي هذه الظروف، قد لا ينتبه إلى التوتر الذي يعيشه إلا عندما يلاحظ اضطراب نومه أو تغير شهيته أو زيادة آلامه الجسدية.
لكن هذا لا يثبت أن العضو المصاب يحمل رسالة رمزية محددة ولا أن ألم المعدة يعني الغضب، أو أن ألم الظهر يعني تحمل المسؤوليات، أو أن الصداع يعني رفضًا داخليًا لموقف معين فهذه التفسيرات الرمزية قد تبدو جذابة، لكنها ليست قواعد تشخيصية علمية.
والأكثر فائدة هو مساعدة الشخص على ملاحظة العلاقة بين المواقف والانفعالات والأعراض، دون فرض تفسير مسبق عليه فقد يكشف التتبع أن الأعراض تزداد مع القلق أو النزاعات أو الإرهاق وقد يكشف أيضا أنها ترتبط بعوامل عضوية أو دوائية أو سلوكية تحتاج إلى معالجة مختلفة، إن الاعتراف بالمشاعر ليس اعترافا بضعف الإنسان، بل خطوة نحو فهم خبرته كاملة.
رابعا: هل تعني الأعراض النفسية الجسدية أن المرض غير حقيقي؟
من أكثر الأخطاء إيذاءً للمريض أن يقال له: «كل هذا من رأسك» أو «أنت تتوهم المرض» فهذه العبارات لا تفسر المعاناة، بل قد تضيف إليها شعورا بالذنب أو الخجل أو عدم التصديق.
الألم الذي يتأثر بالضغط النفسي لا يصبح وهما فالإحساس بالألم عملية معقدة تشترك فيها الإشارات العصبية والتجارب السابقة والانتباه والتوقعات والحالة الانفعالية ويمكن للعوامل النفسية أن تعدّل شدة الألم وطريقة معايشته، دون أن تجعل الشخص مختلقا له.
كما أن عدم العثور على تفسير عضوي واضح بعد الفحوصات لا يعني أن الأعراض متخيلة ولا يثبت تلقائيا أنها نفسية المنشأ وقد تتطلب بعض الحالات تقييما إضافيا أو متابعة زمنية أو فهما أوسع للعوامل التي تؤثر في الأعراض.
ومن المهم كذلك عدم الوقوع في الخطأ المقابل، أي تفسير كل عرض جديد بأنه نتيجة للقلق لدى شخص لديه تاريخ من الأعراض النفسية الجسدية فوجود القلق لا يمنع الإصابة بمرض عضوي، كما أن وجود مرض عضوي لا يمنع تأثر الأعراض بالحالة النفسية.
إن الموقف العلمي السليم يقوم على احترام المعاناة واستبعاد الأسباب الطبية المناسبة بحسب الحالة وفهم التفاعل بين العوامل الجسدية والنفسية، ثم وضع خطة علاجية متكاملة.
خامسا: كيف نساعد النفس والجسد على استعادة التوازن؟
لا تقوم المعالجة الفعالة على مطالبة الإنسان بألا يقلق، أو إقناعه بأن يتجاهل الألم، بل على بناء فهم واقعي للأعراض وتحديد العوامل التي تسهم في استمرارها.
1. التقييم الطبي المسؤول: ينبغي تقييم الأعراض الجسدية وفق طبيعتها ومدتها وشدتها والتاريخ الصحي والعلامات المصاحبة ولا يصح استبدال الفحص الطبي بتفسير نفسي جاهز، كما ينبغي تجنب تكرار الفحوصات غير الضرورية دون مبرر سريري واضح.
2. التثقيف النفسي: عندما يفهم الإنسان كيف يؤثر التوتر في الجهاز العصبي والتنفس والعضلات والهضم والنوم، قد يصبح أقل خوفًا من بعض الإحساسات الجسدية وأكثر قدرة على التعامل معها بطريقة متوازنة ويجب أن يتم ذلك دون التقليل من الألم أو افتراض أن جميع الأعراض ناتجة عن التوتر.
3. العلاج النفسي: قد يساعد العلاج المعرفي السلوكي، عند ملاءمته للحالة، على تعديل التفسيرات الكارثية للأعراض وتقليل سلوكيات الفحص والطمأنة المتكررة وتحسين مهارات التعامل مع الضغوط واستعادة الأنشطة التي تجنبها الشخص خوفا من الأعراض ويُختار التدخل وفق التقييم السريري واحتياجات الفرد، لا وفق وصفة واحدة للجميع.
4. تنظيم الاستجابة للضغط: يمكن أن يساعد التنفس البطيء المريح والاسترخاء العضلي والنشاط البدني الملائم للحالة الصحية والانتظام في النوم وتقليل العزلة، على دعم التعافي ولا تعني هذه الممارسات أن المريض مسؤول عن مرضه، بل إنها وسائل مساندة يمكن دمجها في خطة علاج مناسبة.
5. استعادة العلاقة الآمنة مع الجسد: من المفيد أن يتعلم الشخص ملاحظة أحاسيسه دون مراقبة مفرطة أو تفسير متسرع وأن يميز بين الانتباه الواعي للجسد والانشغال القَلِق به فالهدف ليس تجاهل الإشارات الجسدية وإنما الاستجابة لها بقدر يتناسب مع طبيعتها.
6. التكامل بين التخصصات: قد يحتاج بعض المرضى إلى تعاون الطبيب والأخصائي النفسي وغيرهما من المتخصصين، خاصة عندما تتداخل الأعراض المستمرة مع القلق أو الاكتئاب أو مرض مزمن فالرعاية المتكاملة لا تضع النفس في مواجهة الجسد، بل تجعل كليهما جزءًا من خطة واحدة.
وتظل الأعراض الجديدة أو الشديدة التي قد تشير إلى حالة طبية طارئة، مثل ألم الصدر المصحوب بضيق شديد في التنفس أو الإغماء، بحاجة إلى تقييم عاجل، بصرف النظر عن وجود ضغوط نفسية سابقة.
خاتمة: الجسد ليس خصما للنفس
إن العلاقة بين النفس والجسد ليست علاقة طرفين منفصلين يتبادلان اللوم، بل علاقة منظومة واحدة تتفاعل فيها الخبرة النفسية مع العمليات العصبية والهرمونية والجسدية باستمرار.
قد يزيد الضغط النفسي بعض الأعراض وقد تؤدي المعاناة الجسدية إلى القلق والحزن وقد تتداخل العوامل النفسية والعضوية في حلقة معقدة لا يمكن فهمها من زاوية واحدة ولهذا فإن اختزال الإنسان في جسده وحده، أو في نفسيته وحدها، يترك جزءا مهما من الحقيقة خارج الصورة.
ومن هنا تأتي أهمية الوعي النفسي الجسدي: ليس لإقناع الإنسان بأن مرضه مجرد مشاعر ولا لدفعه إلى البحث عن معنى خفي وراء كل ألم وإنما لمساعدته على فهم ما يعيشه وطلب الرعاية المناسبة والتعامل مع نفسه بقدر أكبر من الرحمة والوعي.
فليس كل ألم دليلا على اضطراب نفسي وليس كل ألم يتأثر بالمشاعر ألما متخيلا؛ إنما تبدأ الرعاية الحقيقية عندما نأخذ الجسد على محمل الجد ونمنح النفس حقها في الفهم والعلاج.
خالد رغدان أخصائي نفسي
مدير الوحدة النفسية بالمركز القومي لعلوم المخ والأعصاب
|