صنعاء نيوز / بقلم الزميل محمد عرهب -
(عن لفتةٍ وِجدانيّة للزميل: محمد عرهب)
في زمَنٍ تَشْغَلُنا فيه تفاصيلُ العَيْشِ اليوميّةِ وَتَجْرُفُنا رَتَابَةُ السَّعْيِ ورَاءَ المَادَّة، تَبْرُزُ بينَنا أرْوَاحٌ نَقِيَّةٌ تَبْعَثُ الأَمَل، وَتُعِيدُ لِلإنْسَانِيَّةِ وَجْهَها المُشْرِق. مِن هذه الأَرْوَاحِ يَبْرُزُ "العَمُّ عَلِيٌّ المِصْرِيّ"، ذَاكَ الرَّجُلُ الَّذِي جَاءَ مِنْ أَرْضِ الكِنَانَةِ قَبْلَ أَرْبَعِينَ عَاماً أَوْ يَزِيد، لِيَصْنَعَ مِنْ أَلْوَاحِ الدِّيكُورِ وَالمَحَالِّ التِّجَارِيَّةِ كَسْبَ يَوْمِهِ، وَلَكِنَّهُ صَنَعَ فِي قُلُوبِ اليَمَنِيِّينَ مَكَانَةً تَعْلُو عَنْ المَالِ وَالتِّجَارَة.
لَمْ يَكُنِ العَمُّ عَلِيٌّ غَرِيباً فِي صَنْعَاء؛ فَالوَطَنُ لَيْسَ جُغْرَافْيَا تُحَدُّ بِالحُدُود، بَلْ هُوَ شُعُورٌ بِالانْتِمَاءِ لِلأَرْضِ وَالإِنْسَان. وَحِينَ كانَ يَقِفُ عَلَى جَانِبِ «شَارِعِ خَطِّ المَطَارِ» الحيويّ، لمْ تَكُنْ عَيْنَاهُ تَرَيَانِ جُدْرَاناً أَوْ خَشَباً يَنْتَظِرُ مَشْرُوعَهُ القَادِم، بَلْ كَانَتَا تَتَأَمَّلاَنِ وُجُوهَ العَابِرِينَ، الشُّيُوخِ، الأَطْفَالِ، وَالنِّسَاءِ. وَمَعَ كُلِّ حَادِثِ سَيْرٍ مُؤْلِمٍ كَانَ يُرَاقِبُهُ بِأُمِّ عَيْنِهِ، كَانَتْ تُمَزَّقُ نَفْسُهُ حُرْقَةً وَأَسَى عَلَى أرْوَاحٍ تُزَهَقُ كُلَّ يَوْمٍ أَمَامَ مَرْأَى الجَمِيع.
لَمْ يَقِفِ العَمُّ عَلِيٌّ مَوْقِفَ المُنْتَظِر، وَلَمْ يَكْتَفِ بِأَنْ يَلُومَ غِيَابَ المَسْؤُولِيَّةِ أَوْ يَتَسَاءَلَ بِأَسَى: "أَيْنَ عُقَّالُ المَنِطَقَةِ وَوُجَهَاؤُهَا؟". بَلْ حَمَلَ أَلَمَهُ الإِنْسَانِيَّ فِي صَدْرِهِ، وَقَرَّرَ أَنْ يَكُونَ هُوَ "المُبَادِر". تَرَكَ أَعْمَالَهُ الصَّغِيرَةَ الَّتِي يَعِيشُ مِنْهَا، وَتَجَاهَلَ ظُرُوفَهُ المَادِّيَّةَ الصَّعْبَة، وَجَعَلَ مِنْ نَفْسِهِ صَوْتاً لِأُولَئِكَ الَّذِينَ لاَ صَوْتَ لَهُم، وَدَرعاً لِمَنْ لاَ حَامِيَ لَهُم فِي هَذَا الخَطِّ الخَطِر.
طَرَقَ أَبْوَابَ الجِهَاتِ الحُكُومِيَّة، انْتَقَلَ بَيْنَ أَمَانَةِ العَاصِمَة، وَمَكَاتِبِ الأَشْغَالِ العَامَّة، وَإِدَارَةِ المُرُورِ، يَرْشَحُ جَبِينُهُ بِالعَرَق، وَيَتَكَلَّمُ بِقَلْبٍ يَفُوضُ حَرَارَةً وَرَحْمَة. كَانَ يَرَى فِي كُلِّ طِفْلٍ يَعْبُرُ الشَّارِعَ ابْناً لَه، وَفِي كُلِّ شَيْخٍ أَبَا، حَتَّى اسْتَطَاعَ بِمُثَابَرَتِهِ العَظِيمَةِ أَنْ يَسْتَصْدِرَ التَّوْجِيهَاتِ الخَطِّيَّةَ وَالمُوَافَقَاتِ لِإِقَامَةِ مَشْرُوعِ (جِسْرِ مُشَاةٍ أَوْ نَفَقٍ) يَحْمِي أَرْوَاحَ النَّاس.
إنَّ حِكَايَةَ العَمِّ عَلِي لَيْسَتْ مُجَرَّدَ خَبَرٍ عَابِرٍ عَنْ سَعْيٍ لِمَشْرُوعٍ خَدَمِيّ، بَلْ هِيَ مَلْحَمَةٌ أَخْلاَقِيَّةٌ صَغِيرَة تُذَكِّرُنَا بِأَنَّ الخَيْرَ لاَ جِنْسِيَّةَ لَهُ، وَأَنَّ الإنْسَانِيَّةَ حِينَ تَسْكُنُ قَلْباً، فإِنَّهَا تَمْحُو كُلَّ العَوَارِضِ وَالفُوَرِاق. لَقَدْ أَعْطَى هَذَا الرَّجُلُ المِصْرِيُّ المَعْجُونُ بِأَصَالَةِ النِّيلِ وَكَرَمِ الإِنْسَانِيَّةِ دَرْساً بَالِغاً فِي المُواطَنَةِ الإِيجَابِيَّةِ وَالعَطَاءِ الَّذِي لاَ يَبْغِي سِوَى وَجْهِ اللهِ وَحِفْظِ أَرْوَاحِ البَشَر.
شُكْراً لِلزَّمِيلِ مُحَمَّد عَرْهَب الَّذِي التَقَطَتْ كَامِيرَتُهُ -بِالصُّدْفَةِ- وَجْهَ هَذَا العَظِيمِ فِي يَوْمِ سَبْتٍ لاَ يُنْسَى، لِيَنْقُلَ لَنَا هَذِهِ الصُّورَةَ الحَيَّةَ عَنِ الشَّهَامَة. وَأَلْفُ تَحِيَّةِ إِجْلاَلٍ وَتَقْدِيرٍ لِلعَمِّ عَلِي المِصْرِي؛ العَامِلِ البَسِيطِ فِي ظَاهِرِهِ، العَظِيمِ فِي بَاطِنِهِ وَأَفْعَالِه.
جَزَاكَ اللهُ خَيْراً يَا عَمَّ عَلِي، وَحَفِظَكَ رَبِّي، فَقَدْ كُنْتَ حَنُوناً عَلَى الأَرْوَاحِ، وَأَثْبَتَّ أَنَّ الأَرْضَ الَّتِي تَمْشِي عَلَيْهَا تَنْبُضُ بِقَلْبِكَ قَبْلَ أَقْدَامِك. |