صنعاء نيوز / سعيد عابد -
بقلم: سعيد عابد
لم تكن أهمية الاجتماع الرباعي الذي عُقد في طهران في مستوى المشاركين فقط، بل في توقيته وما كشفه من تناقضات داخل النظام الحاكم في إيران.
فحضور وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان، وقائد الجيش الباكستاني عاصم منير، ورئيس الاستخبارات التركية إبراهيم كالين، جاء في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتداخل فيها احتمالات تجدد الحرب، وهجمات الحوثيين، والخلافات بشأن مضيق هرمز، والضغوط الأميركية، وتعثر المفاوضات بين طهران وواشنطن.
لكن الاجتماع، رغم مستواه الرفيع، لم ينتهِ إلى اتفاق معلن أو خريطة طريق واضحة. واكتفى الأطراف بالحديث عن استمرار الحوار والتعاون الإقليمي.
وهنا تحديدًا تبدأ دلالته السياسية.
التسوية ليست قرارًا خارجيًا فقط
المشكلة التي تواجه النظام ليست في ما إذا كان سيفاوض أم لا، بل في الثمن الذي يمكن أن يدفعه إذا قرر الذهاب إلى تسوية.
داخل النظام، تخشى أجنحة متشددة أن تتحول أي تفاهمات إقليمية إلى مدخل لتقليص أدوات النفوذ التي بنتها طهران خلال عقود، من اليمن إلى ملفات أخرى في المنطقة.
وقد عبّرت أصوات قريبة من هذا التيار عن قلقها من أن تؤدي المفاوضات إلى إضعاف موقف الحوثيين أو تقليص أوراق الضغط الإقليمية.
في المقابل، تحذر أصوات أخرى من أن استمرار حالة "لا حرب ولا سلم" يستهلك الاقتصاد ويعمق الأزمات الاجتماعية ويجعل كلفة المواجهة أعلى مع مرور الوقت.
وهكذا يصبح الخلاف أعمق من مجرد اختلاف تكتيكي.
السؤال الحقيقي هو: من يدفع ثمن التراجع إذا اختارت السلطة التسوية، ومن يتحمل مسؤولية استمرار الاستنزاف إذا رفضتها؟
مجتبى خامنئي ومعادلة صعبة
تكتسب هذه الخلافات وزنًا أكبر في ظل انتقال مركز القيادة إلى مجتبى خامنئي.
فالاتصالات والاجتماعات التي سبقت اللقاء الرباعي وأعقبته، سواء مع مسؤولين عسكريين أو سياسيين أو أعضاء في مجلس الأمن القومي، توحي بمحاولة واضحة لتنسيق المواقف داخل مركز القرار.
لكن كثافة الاتصالات لا تعني بالضرورة أن القرار حُسم.
فاستمرار المواجهة يزيد الاستنزاف الاقتصادي والعسكري، بينما قد يؤدي قبول تنازلات تتعلق بالملف النووي أو النفوذ الإقليمي أو العقوبات إلى تفجير صراعات داخلية أشد.
وهنا يجد المرشد الجديد نفسه أمام معضلة مزدوجة: كيف يخفف الضغط الخارجي من دون أن يظهر بمظهر من يتراجع، وكيف يفرض تسوية لا تقبل بها جميع أجنحة النظام؟
الخوف الحقيقي يأتي من الداخل
لكن قراءة اجتماع طهران من زاوية الحرب والمفاوضات وحدهما لا تكفي.
فالهاجس الأعمق لدى السلطة يرتبط بما قد يحدث داخل إيران نفسها.
المجتمع يواجه ضغوطًا معيشية متزايدة، وتراجعًا في القدرة الشرائية، واتساعًا في الفقر والبطالة، بالتزامن مع استمرار الإعدامات والإجراءات الأمنية.
الخطر بالنسبة إلى النظام لا يكمن في كل أزمة منفردة، بل في احتمال أن تلتقي هذه الأزمات في موجة احتجاج أوسع.
ومن هنا يمكن فهم جانب من التردد تجاه إنهاء أجواء المواجهة.
فالحرب تمنح السلطة مبررًا لتشديد الرقابة وتقديم القيود الاستثنائية باعتبارها ضرورات أمنية. أما انتهاء الحرب، فقد يعيد الأسئلة المؤجلة إلى الواجهة: ماذا عن الفقر؟ ماذا عن الحريات؟ ماذا عن الإعدامات؟ وماذا عن مستقبل الحكم نفسه؟
لكن استمرار الحرب يحمل بدوره الخطر المعاكس، إذ يزيد الضغط على المجتمع ويستنزف الموارد ويفاقم الغضب.
المعارضة المنظمة في الحسابات
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل وجود معارضة منظمة تراهن على تحويل الاحتقان الاجتماعي إلى حركة سياسية أوسع.
فالمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية ومنظمة مجاهدي خلق يقدمان نشاط وحدات المقاومة، إلى جانب احتجاجات الفئات الاجتماعية وحملة "الثلاثاء لا للإعدام"، باعتبارها مؤشرات على استمرار التحدي الداخلي رغم القمع.
ولا يعني ذلك أن الانتفاضة الشاملة أصبحت حتمية، لكن وجود بنية منظمة تسعى إلى ربط الاحتجاج الاجتماعي بمشروع سياسي يجعل حسابات السلطة أكثر تعقيدًا.
وهكذا يجد النظام نفسه أمام أربع ضغوط متزامنة: مفاوضات خارجية تحتاج إلى قرارات مؤلمة، أجنحة داخلية تخشى كلفة التنازل، مجتمع تتسع داخله أسباب السخط، ومعارضة تنتظر فرصة لتحويل هذا السخط إلى فعل سياسي.
لهذا لم يعد السؤال في طهران: هل تختار الحرب أم التسوية؟
السؤال الأصعب هو ماذا سيحدث للنظام في الحالتين.
فإذا استمرت الحرب، تتفاقم الأزمات. وإذا انتهت، قد تسقط المبررات الأمنية وتعود تناقضات الداخل إلى الواجهة.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية: ربما يكون الخروج من المأزق الخارجي هو نفسه المدخل إلى مأزق داخلي أكثر صعوبة. |