صنعاء نيوز -
نظام مير محمدي
كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني
تكشف التحذيرات الاقتصادية التي نشرتها صحيفة «جهان صنعت» الإيرانية في 1 نوفمبر 2026 عن أزمة تتجاوز التضخم وتدهور المعيشة، لتطرح سؤالًا سياسيًا أكثر حساسية: إلى أي مدى يستطيع النظام الإيراني مواصلة تحميل المجتمع تكاليف سياساته، دون أن تتحول الضغوط الاقتصادية المتراكمة إلى موجة جديدة من الاحتجاجات الشعبية؟
أعادت تصريحات مسعود بزشكيان، رئيس الجمهورية الإيرانية، بشأن التكاليف الباهظة لاستمرار حالة «لا حرب ولا سلام»، تسليط الضوء على المأزق الذي تواجهه السلطة.
فبحسب صحيفة «جهان صنعت»، أقر بزشكيان في 24 أكتوبر بأن المجتمع لم يعد قادرًا على تحمل استمرار هذه الظروف، داعيًا إلى الخروج منها.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية سياسية تتجاوز بعدها الاقتصادي. فعندما يعترف رئيس الجمهورية بأن قدرة المجتمع على التحمل تقترب من حدودها، فإن ذلك يثير تساؤلات بشأن قدرة السلطة على احتواء الغضب الاجتماعي المتراكم.
غير أن الصحيفة تطرح سؤالًا جوهريًا: إذا كانت القيادة التنفيذية تدرك خطورة استمرار الأزمة، فلماذا لا تتشكل إرادة سياسية قادرة على تغيير المسار؟
تزداد حساسية هذه المعادلة مع قرار حكومة بزشكيان تفويض صلاحيات تعديل أسعار الوقود وحصصه، بما يشمل البنزين والديزل والغاز الطبيعي، إلى فريق عمل خاص بالطاقة.
وتحذر «جهان صنعت» من أن أي زيادة جديدة في أسعار الوقود، في ظل التضخم وانهيار القدرة الشرائية، قد تؤدي إلى موجة إضافية من ارتفاع أسعار النقل والإنتاج والسلع الأساسية.
ومن الناحية السياسية، يحمل ملف الوقود حساسية خاصة بسبب ارتباطه المباشر بالحياة اليومية لملايين المواطنين. ويمكن أن تتحول القرارات الاقتصادية التي تزيد الأعباء على الأسر إلى محفز للاحتجاج، خصوصًا عندما تتزامن مع تراجع الثقة بالمؤسسات وغياب حلول ملموسة.
وهنا يظهر التناقض الذي تواجهه السلطة: فهي تحتاج إلى معالجة الاختلالات الاقتصادية، لكنها قد تخشى التداعيات الاجتماعية والسياسية للإجراءات التي تفرض تكاليف إضافية على المواطنين.
تصف الصحيفة وضع العمال وأصحاب الرواتب بأنه أحد أكثر مظاهر الأزمة خطورة، مشيرة إلى أن أجر يوم كامل من العمل لم يعد يكفي حتى لتغطية جزء من الاحتياجات الغذائية للأسرة.
وهذا التدهور لا يعني مجرد انخفاض مستوى الرفاه، بل اتساع الفجوة بين الأجور وتكاليف المعيشة، بما يجعل قطاعات من العاملين عاجزة عن تأمين احتياجاتها الأساسية رغم استمرارها في العمل.
كما تشير الصحيفة إلى أن العقوبات الدولية والفساد البنيوي وسوء الإدارة وغياب الشفافية وعدم استقرار القرارات الاقتصادية أسهمت جميعها في تعميق الأزمة.
ويعني تراكم هذه العوامل أن أسباب السخط لا ترتبط بقرار اقتصادي واحد، بل بمنظومة أوسع من السياسات التي تمس حياة المواطنين ومستقبلهم.
تذهب «جهان صنعت» إلى أن العقبة الرئيسية أمام التعافي الاقتصادي ليست نقص الموارد وحده، وإنما غياب قرار سياسي واضح لإنهاء دائرة التوتر وعدم اليقين.
وتشير الصحيفة إلى احتمال أن تكون حالة «لا حرب ولا سلام» قد تحولت لدى بعض مراكز السلطة إلى أداة لإدارة المجال السياسي والحفاظ على التوازنات القائمة.
وتفتح هذه الملاحظة الباب أمام قراءة سياسية للمأزق: فاستمرار التوتر الخارجي يفرض تكاليف اقتصادية واجتماعية متزايدة، بينما قد يؤدي اتخاذ قرارات داخلية مؤلمة إلى زيادة الاحتقان الشعبي.
وبذلك تواجه السلطة معضلة مزدوجة، تتمثل في استمرار الاستنزاف الاقتصادي من جهة، واحتمال تصاعد الاحتجاجات إذا جرى تحميل المجتمع أعباء جديدة من جهة أخرى.
لا تقدم صحيفة «جهان صنعت» دليلا مباشرا على أن الخوف من انتفاضة شعبية هو الدافع المحدد وراء قرارات القيادة الإيرانية، لكنها تعرض مؤشرات على تراجع قدرة المجتمع على تحمل الأزمة، وعلى المخاطر الاجتماعية لسياسات رفع الأسعار.
ومن خلال هذه المؤشرات، يمكن فهم سبب تحول احتمال الاحتجاجات الواسعة إلى أحد الاعتبارات السياسية المهمة في إدارة الأزمة الاقتصادية.
فكلما اتسعت دائرة الفقر وتراجعت القدرة الشرائية، ازدادت صعوبة الفصل بين المطالب المعيشية والاستياء من السياسات العامة.
وفي المحصلة، تكشف أزمة «لا حرب ولا سلام» عن مأزق سياسي واقتصادي متداخل: استمرار السياسات الحالية يزيد الضغوط على المجتمع، بينما يحمل تغييرها، إذا جاء على حساب معيشة المواطنين، مخاطر إثارة موجات جديدة من الغضب الشعبي.
ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع السلطة الخروج من هذا المأزق دون معالجة الأسباب التي جعلت قطاعات واسعة من المجتمع تفقد الثقة بقدرتها على تحسين الأوضاع؟
|