صنعاء نيوز/إيهاب مقبل -
تقع بغداد العثمانية في قلب بلاد ما بين النهرين، على الضفاف الشرقية لنهر دجلة. حكم العثمانيون بغداد لمدة 368 سنة تقريبًا، وكان للمدينة خلال هذه الفترة طابعها التاريخي الفريد. بين عامي 1700 و1850، كانت بغداد مدينة محصورة داخل سورها التاريخي، تحميها أبواب ضخمة مثل باب المعظم، باب الشيخ، وباب الطلسم. لم يكن السور مجرد تحصين، بل منظومة معمارية تنظم الحركة وتحمي السكان، وتحدد شكل المدينة ومناطقها الداخلية والخارجية، محاطة بشبكة دقيقة من الأزقة والشوارع الرئيسية المؤدية إلى الأسواق والمساجد.
البنية العمرانية داخل السور
المدينة الداخلية كانت شبكة من الأزقة الضيقة والمتعرجة، غالبًا ما تتفرّع من الشوارع الرئيسية المؤدية إلى الأسواق أو المساجد. المباني كانت مصنوعة أساسًا من الطين المحروق والطوب اللبن، مع أسطح مسطحة ونوافذ صغيرة بمشربيات خشبية، لتوفير الخصوصية وتخفيف حرارة الشمس. البيوت كانت غالبًا مبنية حول فناء داخلي مزروع بأشجار الفاكهة مثل الرمان والنارنج، مع سقيا للماء وسرداب بارد يحمي السكان من حر الصيف الشديد.
الأسواق، مثل القصبة وسوق السراي وسوق الصفارين، كانت النواة الاقتصادية للمدينة، مليئة بالدكاكين الصغيرة المتلاصقة. كل حي غالبًا ما كان مخصصًا لحرفة معينة: الصفارين للنحاس، الدباغين للجلود، النجارين للأثاث، وغيرها. الأسواق لم تكن مجرد أماكن للتجارة، بل مركزًا للحياة الاجتماعية، حيث يلتقي السكان لتبادل الأخبار والسلع، ويستمر الإيقاع اليومي في تناغم مع الآذان والمساجد.
نهر دجلة
كان نهر دجلة شريان الحياة للبغداديين، أكثر من كونه منظرًا طبيعيًا. القوارب الخشبية الصغيرة كانت تنقل التمور والحطب والبضائع الأخرى، ويعتمد السكان على النهر في الشرب، الغسيل، والصيد. ضفاف دجلة لم تكن مصمتة بالإسمنت كما اليوم، بل مرتفعات طبيعية وبساتين خارج المدينة، ما جعلها ممرًا مزدحمًا وقيمًا اقتصاديًا. النهر شكل شبكة نقل طبيعية، وموطنًا للأنشطة اليومية خارج الأسواق، مثل غسل الثياب وصيد الأسماك.
خارج أسوار بغداد والمناطق غير الموجودة بعد
خارج أسوار بغداد، امتدت أراضٍ زراعية وبساتين شاسعة، تمتزج بالمزارع الصغيرة والقرى الفلاحية. كانت تنتشر أشجار النخيل والرمان والبرتقال، بينما كانت الحقول المزروعة بالقمح والشعير والخضروات توفر الغذاء لسكان المدينة. القرى الصغيرة على مقربة من السور كانت مأهولة بالفلاحين والعشائر، الذين يأتون يوميًا إلى المدينة لبيع منتجاتهم أو العمل الموسمي.
الطرق الترابية التي تربط المدينة بهذه القرى كانت معرضة أحيانًا لغارات قطاع الطرق أو اضطرابات عشائرية، مما جعل السفر خارج السور محفوفًا بالمخاطر. بين القرى والبساتين، كانت توجد مساحات غير مأهولة، مستنقعات صغيرة، وأراضٍ طبيعية لم تُستغل بعد، تُعد مصدرًا مهمًا للأخشاب والعشب للمواشي، وأحيانًا خط دفاع طبيعي ضد أي هجوم.
العديد من المناطق التي نعرفها اليوم لم تكن موجودة بعد. الكرادة، المنصور، الدورة، الجادرية، ومدينة الصدر الحديثة لم تكن سوى أراضٍ خالية وبساتين أو قرى متناثرة، بلا شوارع معبدة أو مبانٍ حديثة. لم تكن هناك جسور خرسانية تربط ضفتي دجلة، ولم تكن هناك مناطق صناعية أو تجارية حديثة خارج السور، فالأنشطة الاقتصادية كانت تركز بالكامل داخل الأسواق القديمة. حتى التوسع السكاني خارج السور كان محدودًا، فالمناطق الخارجية كانت امتدادًا طبيعيًا وموارد حيوية، لكنها لم تكن منظّمة كما داخل المدينة.
الحياة الدينية والثقافية
المساجد كانت محور الحياة اليومية، ليس فقط للصلاة، بل كمراكز للتعلم ومكان للتجمع. كانت المآذن العثمانية بارزة في الأفق، والآذان يُرفع بصوت الإنسان، بلا مكبرات صوت، مما خلق إيقاعًا طبيعيًا للحياة اليومية. المدارس الدينية، الكتاتيب، وحلقات التحفيظ كانت جزءًا لا يتجزأ من نسيج المجتمع. الثقافة البغدادية كانت غنية: الشعر، الخطب، والقصص الشعبية تنتقل شفهيًا، بينما الكتب والمخطوطات موجودة في بعض المكتبات الخاصة والعامة، خاصة في أحياء العلماء.
السكان والحياة اليومية
كان تعداد سكان بغداد في تلك الفترة لا يزيد عن 200 ألف نسمة، يتنوعون بأكثرية عربية، وأقلية تركمانية وكردية، بجانب أقليات دينية أخرى. اللباس كان عمومًا عمائم وعباءات للرجال، وأقمشة بسيطة للنساء، ما عكس القيم التقليدية والوظيفية أكثر من الموضة. الحياة اليومية كانت بطيئة ومنظمة: النساء يجهزن الطعام، الرجال يذهبون للسوق أو العمل، الأطفال يلعبون في الأزقة، والحياة الليلية محدودة بعد غروب الشمس.
الليل والخصوصية
مع الغروب، تُغلق الأبواب ويهدأ الزقاق. الإضاءة قليلة، غالبًا فوانيس زيتية، مما يجعل الليل هادئًا ومتماسكًا بطبيعته. المدينة صماء تقريبًا إلا من أصوات الحراس، حفيف الأشجار، وبكاء بعيد في بعض الأحياء نتيجة بكاء الأطفال، الحزن، الأمراض، والطقوس الدينية أو الصوفية. هذا الانسجام بين الحياة الداخلية والخارجية أعطى بغداد طابعًا خاصًا ومميزًا لم تشهده المدن الحديثة لاحقًا.
التحديات والتطور
بين عامي 1700م و1850م، واجهت بغداد مشكلات النمو السكاني، الأمراض، والهجمات الخارجية. الهجمات غالبًا كانت غزوات خارجية، تمردات عشائرية، وغارات على الطرق المحيطة بالمدينة. ومع ذلك، حافظت المدينة على طابعها التاريخي والبيئي.
في أواخر القرن التاسع عشر، بدأت بغداد تتحول تدريجيًا من مدينة محصورة داخل سورها القديمة إلى مدينة أكبر وأشمل، مع توسع عمراني، طرق وجسور جديدة، ومؤسسات حديثة، استعدادًا للمرحلة التي ستلي سقوط الدولة العثمانية وبداية الحكم البريطاني بعد الحرب العالمية الأولى.
بشكل عام، التحول إلى بغداد البريطانية في العام 1917 كان مزيجًا من التحديث والتحسين في الخدمات والبنية التحتية، مع ضغوط سياسية واجتماعية على السكان المحليين، مثل السيطرة الإدارية الأجنبية، وفرض الضرائب والرسوم الجديدة، والتحكم في الموارد، وفرض قيم وأنماط حياة غربية من خلال التعليم النظامي، مما جعل تجربة المدينة أفضل من حيث الحداثة، ولكن أكثر تعقيدًا وتوترًا من حيث الحياة اليومية التقليدية.
على الرغم من التحسينات التكنولوجية التي شهدتها بغداد بعد 2003، إلا أن المدينة أصبحت أكثر هشاشة من الناحية الأمنية والاجتماعية، وأصبحت الحياة اليومية للسكان أصعب بكثير مقارنة بالعصور السابقة. بغداد الأمريكية حديثة تقنيًا، ولكنها أكثر هشاشة وأصعب حياة للسكان مقارنة ببغداد العثمانية أو حتى بغداد البريطانية.
الخلاصة
بغداد في عهد الدولة العثمانية كانت مدينة متماسكة، محمية، وذات حياة متوازنة بين الداخل الحضري المنظم والخارج الريفي الطبيعي. الأزقة، الفناء الداخلي، نهر دجلة، والمساجد شكلت شبكة حياة متكاملة، مليئة بالخصوصية والنشاط الاجتماعي والطقوس اليومية. المناطق خارج السور زوّدت المدينة بالغذاء والموارد الحيوية، لكنها بقيت أقل تنظيمًا من الداخل، مما حافظ على الطابع التاريخي الفريد للمدينة قبل التحديثات الكبرى التي شهدتها بغداد في أواخر القرن التاسع عشر ودخول الحكم البريطاني.
مع التحولات التي أعقبت الاحتلال البريطاني ومرور الوقت، تطورت بغداد تدريجيًا من مدينة محصورة داخل أسوارها إلى مدينة أكبر وأكثر حداثة، ومع دخول مرحلة الاحتلال الأمريكي بعد 2003 أصبحت بغداد حديثة تقنيًا، لكنها أكثر هشاشة وأصعب حياة للسكان مقارنة بالعصور السابقة، حيث أثرت المشاكل الأمنية والاجتماعية على الحياة اليومية للسكان.
بالمقارنة، يمكن القول إن بغداد العثمانية كانت أفضل من بغداد البريطانية أو حتى بغداد الأمريكية من حيث التماسك الاجتماعي، الأمان النسبي، والحياة اليومية التقليدية المتوازنة.
انتهى
|