صنعاء نيوز -  ‏محمد النصراوي

الأحد, 11-يناير-2026
صنعاء نيوز/ ‏محمد النصراوي -

‏في تمام الساعة الثانية فجراً من الثالث من يناير لعام 2026، انشق صمت كاراكاس بضجيج لم يألفه سكان القصر الرئاسي من قبل؛ لم تكن تلك مجرد غارة جوية، بل كانت "عملية الحسم المطلق" التي نفذتها قوات "دلتا" الأمريكية لانتزاع نيكولاس مادورو من فراشه في مشهد بدا وكأنه مستل من أفلام الإثارة السياسية في الثمانينيات، لكنه في الواقع أعاد صياغة قواعد اللعبة الدولية في مطلع هذا العام الجديد، وفيما كان مادورو يُساق مقيداً إلى طائرة عسكرية متجهة نحو نيويورك، كانت الزلازل السياسية تضرب أروقة صنع القرار في بكين وموسكو، حيث لم يكن المعتقل مجرد حليف سياسي، بل كان حجر زاوية في استراتيجيات القوى العظمى لمنافسة النفوذ الأمريكي في نصف الكرة الغربي.
‏في بكين، ساد صمت مطبق في الساعات الأولى قبل أن ينفجر الغضب الدبلوماسي؛ فالصين التي استثمرت عشرات المليارات من الدولارات في قطاع النفط الفنزويلي عبر آلية "القروض مقابل النفط"، رأت في هذا الاعتقال "قرصنة دولية" وضربة قاصمة لأمن الطاقة الخاص بها، فالمسألة بالنسبة لشي جين بينغ تتجاوز مصير "ديكتاتور صديق" لتصل إلى تهديد مباشر لمبدأ "عدم التدخل" الذي تتخذه الصين درعاً لحماية طموحاتها في تايوان وبحر الصين الجنوبي، أما في موسكو، فقد كان وقع الخبر مختلفاً؛ فبينما كان المندوب الروسي في مجلس الأمن يصف العملية بأنها "عودة إلى شريعة الغابة"، كانت هناك مسحة من "الواقعية القاسية" تكتنف رد الفعل الكرمليني، حيث يدرك فلاديمير بوتين أن إدارة ترامب الجديدة قد بدأت عهداً من "عقيدة دونرو" - وهي مزيج من مذهب مونرو الكلاسيكي وقوة ترامب الخشنة - مما يضع مصالح روسيا في أمريكا اللاتينية على كف عفريت في وقت تنصب فيه أولويات موسكو بالكامل على جبهة أوكرانيا.
‏الأشهر القادمة لن تكون مجرد معركة قانونية في قاعات المحاكم بمانهاتن، بل ستكون "شتاءً جيوسياسياً" بامتياز، حيث يتوقع المحللون أن يتحول ملف مادورو إلى ورقة مساومة كبرى في "صفقة القرن" الجديدة بين واشنطن والقوى الشرقية، من المرجح أن تشهد الفترة بين الربيع والصيف ضغوطاً أمريكية هائلة على "ديلسي رودريغيز"، التي تولت الرئاسة بالإنابة، لإجبارها على فك الارتباط الاستراتيجي مع بكين وموسكو وطرد الخبراء العسكريين الروس والمستشارين الأمنيين الكوبيين مقابل عدم توسيع العملية العسكرية لتشمل بقية أركان النظام.
‏الصين، من جانبها، لن تقف مكتوفة الأيدي؛ فمن المتوقع أن تبدأ "حرب استنزاف مالية"، حيث ستحاول بكين المطالبة الفورية بتسديد الديون الفنزويلية المتراكمة أو تجميد أصول الشركات الأمريكية رداً على احتمالية استيلاء شركات النفط الأمريكية الكبرى على الحقول التي كانت تديرها الصين في حوض "أورينوكو"، التحليل المعمق يشير إلى أننا بصدد رؤية "حصار ناعم" متبادل؛ واشنطن ستستخدم سيطرتها الفعلية على مادورو لانتزاع أسرار مالية واستخباراتية تخص شبكات التهرب من العقوبات التي كانت تربط كاراكاس بطهران وموسكو، مما قد يؤدي في الصيف القادم إلى موجة جديدة من العقوبات "العابرة للحدود" التي ستستهدف شركات صينية وروسية بعينها.
‏البعد الإنساني في هذه الدراما يبدو مؤلماً ومعقداً، فبينما احتفلت الجاليات الفنزويلية في "ميامي" و"مدريد" بسقوط "الطاغية"، يعيش المواطن البسيط في شوارع كاراكاس حالة من الترقب المشوب بالخوف؛ فالمستقبل الذي كان يغلفه الفقر، بات الآن مهدداً بحرب أهلية أو فراغ أمني قد تستغله عصابات "الكارتلات" التي اعتادت العمل تحت غطاء الدولة، إن محاكمة مادورو ستتحول إلى "سيرك سياسي" عالمي، حيث سيحاول الدفاع الدفع بعدم قانونية "الاختطاف" وانتهاك الحصانة الرئاسية، بينما سيسعى الادعاء العام الأمريكي لتقديم أدلة تربط مادورو بشكل مباشر بتهريب أطنان من الكوكايين، وهو ما سيضع المجتمع الدولي أمام معضلة أخلاقية وقانونية، فهل تبرر الغاية (إسقاط نظام قمعي) الوسيلة (انتهاك السيادة الوطنية؟)، موسكو قد تجد في هذه الأزمة فرصة للمقايضة؛ "اتركوا لنا مجالنا الحيوي في شرق أوروبا، وسنترك لكم حديقتكم الخلفية في أمريكا اللاتينية"، لكن هذا النوع من الصفقات قد يصطدم بتعنت بكين التي لا تملك إمكانية التخلي عن استثمارات بمليارات الدولارات في فنزويلا.
‏في الأفق القريب، وتحديداً مع اقتراب خريف 2026، من المتوقع أن تبدأ واشنطن في الدفع نحو "عملية انتقال موجهة"، حيث لن تسمح الولايات المتحدة بإجراء انتخابات حرة تماماً قد تعيد إنتاج "التيار التشافيزي"، بل ستسعى لفرض حكومة تكنوقراط تضمن تدفق النفط إلى الأسواق العالمية لخفض الأسعار، وهو الهدف الاقتصادي الخفي وراء تحرك ترامب الجريء، الصين وروسيا ستراقب هذه التحولات بمرارة، وسيبدآن في تعزيز قواعدهما العسكرية في دول أخرى مثل كوبا أو نيكاراغوا كنوع من الردع، مما ينذر بعودة أجواء الحرب الباردة إلى الكاريبي.
‏إن ما فعله ترامب باعتقال مادورو لم يكن مجرد عملية إنفاذ قانون، بل كان "طلقة البداية" في إعادة ترسيم حدود النفوذ العالمي، حيث أثبتت واشنطن أنها لا تزال تمتلك الجرأة - والوقاحة في نظر البعض - لتغيير الأنظمة بالقوة المباشرة حينما تتعارض مع أمنها القومي، إن الأشهر القادمة ستحمل في طياتها الكثير من المفاجآت، لكن الثابت الوحيد هو أن فنزويلا التي عرفناها طوال عقدين من الزمن قد انتهت، وأن العالم بات يشاهد فصلاً جديداً من فصول الصراع بين القطبية الواحدة الساعية للخلود، والأقطاب الصاعدة التي ترفض الانكسار.

تمت طباعة الخبر في: الأحد, 11-يناير-2026 الساعة: 11:22 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: https://sanaanews.net/news-106504.htm