صنعاء نيوز - 
منذ تأسيسها في عام 2015، دخلت قوات سوريا الديمقراطية، أو «قسد»، المسرح العسكري والسياسي السوري كقوة فاعلة في الحرب

الأحد, 11-يناير-2026
صنعاء نيوز/ إيهاب مقبل -


منذ تأسيسها في عام 2015، دخلت قوات سوريا الديمقراطية، أو «قسد»، المسرح العسكري والسياسي السوري كقوة فاعلة في الحرب منذ عام 2011. تشكّلت هذه القوة بدعم من التحالف الدولي الذي تقوده أمريكا الشمالية، وكانت مهمتها الأساسية محاربة تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا. لكن مع مرور الوقت، وجدت «قسد» نفسها في مواجهة خصوم آخرين، وتكبدت سلسلة من الهزائم العسكرية التي أثّرت في مسارها وتوازن القوى داخل سوريا.

الهزائم الكبرى أمام تركيا والفصائل السورية (2018–2019)
أحد أبرز الانكسارات العسكرية التي واجهتها قسد كان التراجع أمام التدخل العسكري التركي والفصائل السورية الموالية لأنقرة. في عام 2018، شنّت تركيا عملية عسكرية ضد قوات «وحدات حماية الشعب» الكردية في منطقة عفرين شمال غرب سوريا، ما أجبر قسد على التراجع والخروج من المنطقة بعد معارك عنيفة، لتفقد بذلك رمزًا سياسيًا وثقافيًا هامًا للوجود الكردي.

وفي أكتوبر تشرين الأول ‑ نوفمبر تشرين الثاني 2019، تكرّر السيناريو في تل أبيض ورأس العين، حيث دفعت الهجمات التركية وقوات من الجيش السوري الحر الموالية لتركيا «قسد» إلى التراجع شرقاً، وهو ما مثل تراجعًا خطيرًا في نفوذها عند الحدود السورية‑التركية، وأتاح لتركيا تثبيت نفوذها العسكري والسياسي في شمال سوريا. هذه المناطق، التي يسكنها غالبية عربية كبيرة، كانت مهمة للسيطرة على الحدود وتنظيم خطوط الإمداد، وفقدانها أضعف قدرة «قسد» على إدارة المناطق ذات الغالبية العربية بعد خسارة الرمزية الكردية لعفرين.

تكمن أهمية هذا التراجع في بعدين متشابكين: أولًا، البعد الرمزي لعفرين كمركز للهوية الكردية، وثانيًا، البعد الديموغرافي لبقية المناطق التي تسيطر عليها قسد اليوم، حيث غالبية السكان عرب، ما يجعلها في مازق شرعي مزدوج بين الحفاظ على نفوذها العسكري كقوة كردية وبين إدارة مجتمع محلي كبير ومتنوع.

التحديات في دير الزور ومحيط نهر الفرات (2018 وما بعدها)
بعد نجاحها في دحر تنظيم الدولة الإسلامية بدعم من الطيران الأمريكي، واجهت قسد تحديات جديدة في دير الزور ومحيط نهر الفرات، حيث الغالبية العربية. فبالرغم من سيطرتها على أراض واسعة، فإن تنظيم الدولة استغل هذا السياق السكاني لشن هجمات متفرقة، ما أدى إلى خسائر بشرية ومادية لقسد وأضعف قدرتها على فرض سيطرة أمنية متكاملة. هذا الواقع يعكس صعوبة الإدارة العسكرية والسياسية لمناطق ذات كثافة سكانية عربية كبيرة مقارنة بالمناطق الكردية الأصغر مثل عفرين سابقًا.

المواجهات في حلب (2025–2026)
بعد انهيار النظام السوري في ديسمبر كانون الأول 2024، وتصاعد النزاع حول دمج قوات قسد في الجيش السوري، شهدت أحياء حلب الشمالية والشرقية تصعيدًا شديدًا في الاشتباكات، خاصة في الشيخ مقصود والأشرفية، التي يقطنها سكان أكراد وعرب مختلطون. في هذه المرحلة، تعرّضت قسد لهزيمة واضحة في تلك الأحياء، إذ فشلت في إظهار قدرتها على الدفاع الفعّال أو الحفاظ على خطوط سيطرتها بشكل مستمر، مما سمح للجيش السوري باستعادة مواقع استراتيجية داخل الحيين.

تخلّل هذه الهزيمة ارتباك وانهيار جزئي في صفوف مقاتلي قسد، مع تراجع معنوي واضح انعكس على الانضباط القتالي، وهو ما جعلها أكثر هشاشة أمام أي تصعيد لاحق. لم يكن الأمر مجرد فقدان مواقع، بل تآكل الثقة في قدراتها العسكرية لدى السكان المحليين، ما أثر سلبًا على العلاقة بين قسد والمجتمع المحلي.

هذه الهزيمة الميدانية في حلب ليست مجرد خسارة عسكرية عابرة، بل تحمل انعكاسات سياسية مستقبلية، إذ أن ضعف السيطرة الميدانية سيقلل من موقف قسد التفاوضي في أي اتفاقات مستقبلية مع الحكومة السورية أو الأطراف الإقليمية، ويجعل أي مطالب سياسية أو إدماج محتمل أكثر هشاشة، بينما تُبرز الهزيمة بوضوح محدودية قدرة قسد على حماية مناطقها الكبرى التي يسكنها خليط من السكان العرب والأكراد.

انعكاسات الهزائم المتواصلة
انعكست هذه الهزائم على قسد في مستويات متعددة. سياسيًا، قللت من قوتها التفاوضية أمام الحكومة السورية الجديدة، خاصة في ضوء الصعوبات في تنفيذ اتفاق دمج قواتها. عسكريًا، أدى تراجع الدعم الأمريكي جزئيًا إلى ضعف لوجستي واستخباري، ما زاد هشاشتها أمام الهجمات المتزامنة من أطراف متعددة. أمنيًا، ستزيد التحديات التي ستواجه قسد في المناطق التي تسيطر عليها. اجتماعيًا، تفاقمت التوترات بين قسد والمجتمعات المحلية، خاصة في المناطق ذات الغالبية العربية مثل الرقة ودير الزور، مما يعكس صعوبة تحقيق سيطرة متكاملة ودعم شعبي متماسك، مقارنة بالمناطق الكردية التي كانت تمثل رمزية سياسية قوية مثل عفرين.

التحديات العسكرية المحتملة لقسد في عام 2026
مع تصاعد التوترات الإقليمية والداخلية في سوريا، وفشل المسار السياسي بالاندماج، ستواجه قسد في عام 2026 تحديات كبيرة تهدد وجودها. على الجبهة الشمالية، قد يستهدف الجيش التركي، بدعم من الفصائل السورية الموالية له نقاطًا استراتيجية مهمة لقسد بسبب قربها من الحدود التركية وخطوط الإمداد الحيوية. أي تقدم تركي في هذه المناطق سيؤدي إلى فقدان قسد لسيطرتها على المعابر الحدودية الحيوية ويعيد تشكيل خريطة النفوذ العسكري لصالح أنقرة، كما حدث سابقًا في مناطق مثل عفرين، تل أبيض، ورأس العين.

على الجبهة الشرقية والجنوبية، تبقى التحديات من الجيش السوري قائمة، خصوصًا في مناطق مثل دير الزور، الرقة، والحقول النفطية في الحسكة. تسعى دمشق إلى استعادة السيطرة على هذه المناطق لتعزيز النفوذ المركزي وفرض هيمنة الدولة، خاصة بعد ضعف قسد النسبي الذي ظهر في مواجهتها للحشود المسلحة في حلب. أي هجمات من الجيش السوري قد تؤدي إلى خسائر ميدانية مباشرة لقسد، وتقوض قدرتها على إدارة الأمن المحلي، كما تزيد من الضغوط السياسية عليها في أي مفاوضات مستقبلية حول الدمج أو إعادة توزيع القوى.

بشكل عام، يبدو أن عام 2026 يشكل اختبارًا مزدوجًا لقسد: تحديات تركية من الشمال والأطراف الموالية لأنقرة، وتحديات سورية من الشرق والجنوب. هذا الواقع يضع قسد أمام تحدٍ كبير لمرونتها العسكرية وقدرتها على الحفاظ على المناطق التي تسيطر عليها في بيئة معقدة ديموغرافيًا وسياسيًا. أي فشل في مواجهة هذه التحديات قد يؤدي إلى خسائر عسكرية إضافية تؤثر مباشرة على موقعها السياسي والاجتماعي في سوريا، وربما يدفعها ذلك إلى الانسحاب نحو شمال العراق كخيار استراتيجي أخير، بهدف الحفاظ على ما تبقى من قدراتها العسكرية ومصادر تمويلها بعد فقدان الأراضي الحيوية في سوريا.

خاتمة وتحولات مستقبلية
تواجه قسد منذ العام 2018 سلسلة من الهزائم العسكرية أمام تركيا، إضافة إلى الصعوبات السياسية والديموغرافية، ما يجعلها في مرحلة مصيرية. إدارة مناطق ذات غالبية عربية كبيرة بعد خسارة الرموز الكردية مثل عفرين، إلى جانب الضغوط الأمنية والسياسية والاجتماعية، تضعها أمام تحديات كبيرة للحفاظ على وجودها وهويتها العسكرية، أو إعادة تعريف دورها ضمن الدولة السورية الجديدة.

الهزائم العسكرية التي تكبدتها قسد ليست مجرد خسائر على الأرض، بل تؤثر على قوتها الرمزية، سيطرتها السياسية، واستقرارها الاجتماعي. وتضاف إلى ذلك الهزيمة الأخيرة في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في حلب على يد الجيش العربي السوري، حيث أظهرت قسد ضعفًا واضحًا في الدفاع عن المناطق الخاضعة لسيطرتها، وتراجع معنويات مقاتليها، ما يضعف موقفها التفاوضي مستقبلًا ويبرز محدودية قدرتها على حماية مناطق ذات أهمية استراتيجية وديموغرافية معقدة. هذه الهزيمة الأخيرة تؤكد أن التحديات أمام قسد ليست عابرة، بل قد تُشكّل نقطة فاصلة في تحديد موقعها في المشهد السوري المقبل.

انتهى
تمت طباعة الخبر في: الأحد, 11-يناير-2026 الساعة: 11:22 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: https://sanaanews.net/news-106508.htm