صنعاء نيوز/ إيهاب مقبل -
تُعدّ مسألة "النقاء العرقي" من أكثر المفاهيم حضورًا في الخطابات القومية الرومانسية، ليس لدى الأكراد وحدهم، بل لدى معظم شعوب العالم. وغالبًا ما يُستَخدم هذا المفهوم لإضفاء شرعية تاريخية أو بيولوجية على هوية قومية ما. غير أن التقدّم الكبير في علم الوراثة البشرية، ولا سيما علم الجينات السكانية، أتاح أدوات دقيقة لفحص هذه الادعاءات، وكشف أن فكرة "العرق النقي" لا تستند إلى أساس علمي راسخ، سواء عند الأكراد أو غيرهم.
الهوية القومية بين العلم والأسطورة
يميّز العلم الحديث بوضوح بين الهوية القومية بوصفها بناءً تاريخيًا–ثقافيًا، وبين الهوية البيولوجية التي تعكس تاريخًا طويلًا من التفاعل والتزاوج بين البشر. فاللغة المشتركة، والذاكرة الجمعية، والتقاليد، والتجربة التاريخية، هي التي تصنع الشعوب، لا "الدم الخالص" أو "السلالة المغلقة". وعندما تُختزل القومية في مفهوم بيولوجي صارم، فإننا نغادر مجال العلم وندخل عالم الأساطير السياسية.
في هذا الإطار، لا تختلف الهوية الكردية عن غيرها من الهويات العِرقية. فالأكراد شعب حقيقي تاريخيًا وثقافيًا، لكن وجودهم لا يتطلب، ولا يدعمه العلم، افتراض نقاء عرقي أو جيني.
علم الجينات ونقد فكرة العرق النقي
تُظهر الأبحاث الوراثية أن البشر يشتركون في الغالبية الساحقة من حمضهم النووي، وأن الفروق بين المجموعات السكانية هي فروق نسبية في تواتر بعض المتغيرات الجينية، لا حدود فاصلة أو نقاءً مطلقًا. لا يوجد جين واحد، أو مجموعة جينات حصرية، يمكن عبرها تعريف "الكردي" بيولوجيًا تعريفًا قاطعًا.
من هذا المنطلق، فإن الحديث عن "جين كردي نقي" أو "دم كردي واحد" يتناقض مع أبسط مبادئ علم الوراثة. ما يمكن دراسته علميًا هو الأنماط الجينية العامة، ومدى تقاربها أو تباعدها عن أنماط شعوب أخرى في الإقليم نفسه.
التنوع الوراثي داخل المجتمع الكردي
تكشف دراسات الخط الأبوي عبر كروموسوم Y عن تنوع ملحوظ لدى الأكراد، حيث تظهر سلالات متعددة منتشرة تاريخيًا في غرب آسيا، مثل J2 وJ1 وR1a وR1b وغيرها. هذا التنوع موجود لدى أكراد إيران والعراق وتركيا وسوريا على حد سواء، مع اختلافات نسبية تعكس الجغرافيا والتاريخ المحلي، لا أصلًا واحدًا مغلقًا.
أما دراسات الحمض النووي الميتوكوندري، الذي يمثل الخط الأمومي، فتؤكد بدورها هذا التنوع، ما يدل على تاريخ طويل من التفاعل السكاني والتزاوج مع مجموعات بشرية مجاورة. هذه المعطيات تنفي بوضوح أي تصور عن سلالة كردية نقية حافظت على نفسها دون اختلاط عبر القرون.
التقارب الجيني بين الأكراد والفرس ومعناه العلمي
تشير الدراسات الجينية الحديثة إلى أن الأكراد يظهرون تقاربًا وراثيًا أوضح مع الفرس وشعوب غرب إيران مقارنة بقربهم من العرب في الجزيرة العربية أو من الأتراك ذوي الأصول الآسيوية الوسطى. ويُقصد بهذا التقارب، في معناه العلمي الدقيق، تشابه الأنماط الجينية العامة والمكونات الوراثية القديمة، لا التطابق العرقي أو الذوبان الهوياتي.
يحمل الأكراد نسبًا مرتفعة من السلالات الجينية مثل J2 المرتبطة بالزراعة المبكرة في زاغروس والأناضول، وR1a المرتبطة بالشعوب الهندو-إيرانية القديمة، وR1b المنتشرة في غرب آسيا والقوقاز. هذه السلالات تظهر أيضًا لدى الفرس وبعض شعوب المنطقة، ما يشير إلى إرث جيني إقليمي مشترك يعود إلى آلاف السنين، وليس إلى أصل واحد نقي أو هجرة حديثة.
في المقابل، يحمل العرب في الجزيرة العربية نسبًا أعلى من مكونات جينية مرتبطة بتاريخ سكاني مختلف تشكّل في البيئات الصحراوية، بينما يظهر لدى الأتراك عنصر إضافي قادم من آسيا الوسطى، وهو عنصر ضعيف أو شبه غائب عند الأكراد. هذه الفروق تفسّر لماذا يُقال إن الأكراد "أقرب جينيًا إلى الفرس"، دون أن يعني ذلك نفي خصوصيتهم اللغوية والثقافية.
مقولة الطبري عن الأكراد وحدودها التاريخية
يُستشهد أحيانًا بقول منسوب إلى المؤرخ الإسلامي محمد بن جرير الطبري مفاده أن «الأكراد هم بدو الفرس»، ويُستخدم هذا القول أحيانًا لتفسير الهوية الكردية بوصفها فرعًا تابعًا للفرس عرقيًا. غير أن هذا الفهم يُعد إسقاطًا لمفاهيم حديثة على نص تاريخي قديم، ولا يصمد أمام التحليل العلمي أو السياق التاريخي الذي كُتب فيه.
فالطبري عاش في القرن التاسع الميلادي، في زمن لم تكن فيه مفاهيم القومية أو العرق البيولوجي معروفة. واستخدامه لكلمة «الفرس» لم يكن توصيفًا لسلالة نقية أو انتقادًا لأصلهم البشري، بل كان يشير غالبًا إلى سكان المجال الإيراني أو رعايا الدولة الساسانية السابقة. أما وصف «البدو» فكان يُطلق على الجماعات الجبلية أو القبلية غير الحضرية، ولا يحمل دلالة عرقية بالمعنى الحديث، وذلك لان الأكراد بالأصل هم سكان الجبال.
تؤكد الدراسات الجينية المعاصرة أن الأكراد والفرس يشتركون في بعض الجذور الإقليمية القديمة ضمن فضاء غرب إيران وزاغروس، لكنهم في الوقت نفسه يمثلون مجموعتين متميزتين لغويًا وثقافيًا وتاريخيًا، مع تنوع وراثي داخلي واضح لدى كل منهما. لذلك لا يمكن اعتبار الأكراد «بدو الفرس» بالمعنى العرقي، بل شعبًا ذا هوية مستقلة تشكّلت داخل المجال الإيراني الأوسع دون أن تُختزل فيه أو تُلغى خصوصيته.
وعليه، فإن مقولة الطبري تُفهم بوصفها توصيفًا اجتماعيًا–سياسيًا من سياق تاريخي محدد، لا حقيقة علمية عن أصل الأكراد، ولا دليلًا على تبعية عرقية أو نفي للهوية الكردية.
الأكراد في إيران وتركيا والعراق: استمرارية لا هجرة نقية
تُظهر تحليلات الجينوم الكامل أن أكراد الدول الأربع يشكّلون كتلة جينية متقاربة نسبيًا، مع فروق طفيفة مرتبطة بالجغرافيا والاحتكاك التاريخي مع الشعوب المجاورة. هذا التقارب لا يدل على أصل أحادي أو نقاء عرقي، بل على استمرارية سكانية قديمة في منطقة زاغروس وشرق الأناضول.
تدعم هذه النتائج الفرضية القائلة إن الوجود الكردي في هذه المناطق ضارب في القدم، وليس نتاج انتقال جماعي حديث من موطن واحد صافٍ، وهو ما يتناقض مع السرديات التي تحاول تفسير الهوية الكردية بمنطق الهجرة المتأخرة أو العرق المغلق.
الوجود الكردي في سوريا: استمرارية تاريخية وهجرة حديثة
يشير التاريخ والجغرافيا إلى أن وجود الأكراد في سوريا له جذور قديمة ومتعددة الطبقات، قبل القرن العشرين. كان الأكراد يعيشون في مناطق جبلية وريفية شمال سوريا، خصوصًا في ريف حلب الشمالي والغربي، وجبل عبد العزيز، وشمال الجزيرة السورية قرب الحدود مع تركيا والعراق، ضمن "قرى متناثرة ومجتمعات ريفية صغيرة"، وغالبًا ما كانوا يعيّشون بشكل مشترك مع العرب والسريان وغيرهم من المجموعات المحلية.
تُعتبر منطقة عفرين شمال حلب واحدة من أقدم مناطق استقرار الأكراد في سوريا، حيث استقرّوا فيها منذ العصور الوسطى، وربما قبل الدولة الأيوبية. خلال الدولة الأيوبية (1171–1250م) وصل بعض الجنود والقبائل الكردية إلى شمال سوريا، بما في ذلك عفرين، للمشاركة في الإدارة المحلية وحماية المناطق الحدودية، واستمر هذا الوجود خلال العهد العثماني، حيث حافظت بعض القبائل الكردية في عفرين والقرى المحيطة على استمراريتها، وعلاقاتها متميزة مع القبائل العربية لغاية اليوم. حتى القرن العشرين، كانت عفرين واحدة من المدن التي يشكّل فيها الأكراد غالبية كبيرة من السكان، وقد وصلت تقديرات النسبة قبل النزاعات الحديثة إلى نحو 80–90% من السكان المحليين، قبل تغييرات الحرب والتشريد التي أثّرت على التركيبة السكانية مؤخراً.
أما المدن الرئيسية الأخرى مثل القامشلي والحسكة وكوباني (عين العرب)، فقد كان وجود الأكراد فيها محدودًا قبل العام 1925، وغالبًا في مجتمعات مختلطة عرقيًا مع العرب والسريان وغيرهم. في القامشلي، تُظهر بعض المصادر أن الأكراد يشكّلون أغلبية كبيرة، نحو 55–70% من سكان المدينة بعد العام 1925، بينما توجد أقليات عربية ومسيحية أيضًا ضمن السكان. في مناطق الحسكة الأوسع، تعدّ الكثافة الكردية أقل وحدة؛ بعض المناطق في المحافظة تُظهر تباينًا بين عرب وكرد وسريان، مع أقلية كردية في بعض الأجزاء بينما تكون الغالبية أكبر في المناطق الشمالية القريبة من الحدود.
في كوباني (عين العرب)، شهد الوجود الكردي نموًا تدريجيًا خلال الفترة العثمانية المتأخرة ومن ثم خلال القرن العشرين، خصوصًا بعد موجات الهجرة من تركيا، ما جعلها في العقود الأخيرة من المدن ذات السكان المختلطين مع تحوّل تدريجي نحو كثافة كردية أكبر، لكنها لم تكن قبل القرن العشرين مركزًا حضريًا كرديًا ذا بنية سكانية موحّدة كما هو الحال في عفرين أو القامشلي.
خلال ثورة الشيخ سعيد في تركيا عام 1925، هاجر عدد كبير من الأكراد من جنوب شرق تركيا إلى شمال سوريا، خصوصًا إلى الحسكة، القامشلي وكوباني، هربًا من القمع السياسي والعسكري. شكلت هذه الهجرة طبقة إضافية ضمن المجتمع الكردي السوري، لكنها لا تنفي الطبيعة التاريخية والقديمة للأكراد في سوريا، بل أضافت بعدًا جديدًا للتنوع السكاني في شمال البلاد، وبترحيب من القبائل العربية باعتبارهم "مسلمين يتبعون المذهب الشافعي السني"، وليس "إنفصاليين". يظهر هذا التاريخ المتدرّج أن الهوية الكردية في سوريا ليست مجرد نتاج هجرة حديثة، بل تتكوّن من استمرارية سكانية قديمة مع طبقات من الحركات التاريخية الحديثة.
ورغم الهجرة الحديثة، تظل المناطق الكردية السورية مرتبطة بالتقارب الجيني الكبير مع أكراد العراق وتركيا وإيران، مما يعكس استمرارية تاريخية وجينية طويلة الأمد، وليست مجرد حركة حديثة للسكان. ويُقدَّر الكُرد بأنهم يشكلون نحو ما بين 8% و10% من إجمالي سكان سوريا قبل الحرب الحديثة، ما يجعلهم أكبر أقلية إثنية في البلاد، مع وجود مجتمعات كردية في أحياء مدن مثل شيخ مقصود والأشرفية في حلب وضمن تجمعات في دمشق والمناطق الأخرى.
ومن الناحية القانونية والسياسية، فإن الوجود السكاني التاريخي أو الكثافة في بعض المناطق، مثل عفرين أو القامشلي، لا يمنح الأكراد تلقائيًا الحق في المطالبة بالحكم الذاتي أو الإدارة اللامركزية، لأن حقوق الحكم الذاتي والإدارة اللامركزية تُحدَّد من خلال مفاوضات سياسية دولية ووطنية، اتفاقيات دستورية، وإرادة شاملة لكافة مكونات الدولة، وليس فقط على أساس التركيبة السكانية التقليدية في بعض المدن والمناطق.
التجربة الكردية العراقية ليست نموذجًا إيجابيًا
شهدت الحركات القومية الكردية خلال القرن العشرين تجارب عسكرة ونزاعات داخلية كان لها أثر بالغ على السكان المدنيين وهويتهم الجماعية. من أبرز هذه التجارب ما جرى في شمال العراق، حيث تكشف الأحداث عن تعقيدات الصراع بين الهوية القومية والمصالح السياسية والقيادات العسكرية، وما قد يترتب على ذلك من عواقب إنسانية مأساوية.
الحرب الأهلية الكردية بين الفصائل الكردية في الثمانينيات والتسعينيات، وخاصة بين حزب الاتحاد الوطني الكردستاني (جماعة الطالباني) وحزب الديمقراطي الكردستاني (جماعة البارزاني)، كشفت عن الانقسامات الداخلية التي أعاقت الوحدة السياسية للكرد. هذه الحرب لم تقتصر على صراع سياسي، بل امتدت لتشمل المدنيين مباشرة، مع عمليات قتل ونزوح جماعي، وتدمير للبنية التحتية في مناطق متنازع عليها، مما أضر باستقرار المجتمع الكردي وأضعف قدرته على حماية نفسه.
مجزرة حلبجة تمثل واحدة من أبشع هذه التجارب. تشير بعض التقارير إلى أن إدخال ميليشيات الطالباني والبارزاني الحرس الثوري الإيراني إلى المدينة في خضم الحرب العراقية–الإيرانية، ثم انسحابهم السريع مستفيدين من تجاربهم السابقة مع الجيش العراقي باستخدام الأسلحة الكيميائية، ولاسيما في المحمرة وشرق البصرة 1981–1987، ترك الميليشيات الكردية المحلية وحدها في المدينة، والتي منعت بصورة غير أخلاقية المدنيين الأكراد من مغادرة المدينة، مما جعلهم عرضة للإبادة الجماعية باستخدام الأسلحة الكيميائية. أدى ذلك إلى مقتل آلاف المدنيين الأبرياء وإصابة عشرات الآلاف، مع آثار صحية طويلة الأمد، بما في ذلك الحروق والأمراض المزمنة.
إضافة إلى هذه الكوارث الكبرى، تشهد المناطق الكردية بين الحين والآخر اشتباكات متفرقة بين عشيرة الهركي وقوات البشمركة، إلى جانب حالات قمع سياسي ومصادرة للحقوق المدنية من قبل بعض القيادات الفصائلية، مما أضاف طبقة أخرى من الانقسامات والتوتر داخل المجتمع الكردي. كما أشار مراقبون إلى أن بعض القيادات، أبرزهم مسعود بارزاني، عينوا أبناءهم وأفراد عائلاتهم في المناصب العليا داخل مؤسسات الحكم والإدارة العسكرية والسياسية، ما أسهم في تعزيز هيمنة فئوية على القرار السياسي وتقويض مبادئ العدالة والمشاركة الشاملة.
تبرز هذه الممارسات ضعف التنسيق وعدم الرضا بين الفصائل القومية الكردية والمدنيين، وتوضح أن "الانتماء القومي وحده لا يكفي لضمان حماية السكان". كما تكشف عن محدودية المسؤولية الأخلاقية والسياسية لبعض القيادات القومية الكردية حين تواجه اختيارات استراتيجية صعبة، إذ يمكن للمصالح الفئوية والسياسية أن تتجاوز السلامة الإنسانية للسكان، كما حدث مؤخرًا في حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب. من هذا المنظور، يمكن القول إن التجربة الكردية العراقية ليست نموذجًا إيجابيًا، بل درسًا مأساويًا حول أثر النزاعات الداخلية والفشل القيادي على المجتمع المدني حتى داخل "هوية قومية" متماسكة ثقافيًا ولغويًا.
الهوية الكردية في ضوء العلم
إن رفض فكرة "العرق النقي" لا يعني نفي وجود الأكراد كشعب. على العكس، يحرر هذا الرفض الهوية الكردية من تصورات بيولوجية غير علمية، ويضعها في إطارها الصحيح بوصفها هوية تاريخية–ثقافية تشكّلت عبر قرون طويلة من التفاعل الإنساني.
الهوية الكردية التي تستند إلى الدين أولًا ثم إلى اللغة والتاريخ والوعي المشترك أكثر صلابة وإنسانية من الهوية التي تبحث عن شرعيتها في الدم والنقاء، وهي أيضًا أكثر انسجامًا مع معطيات العلم الحديث. فمثلاً، صلاح الدين الأيوبي رحمه الله، الذي كان مُسلمًا كرديًا، حرّر القدس من الصليبيين عام 1187م بعد معركة حطين، واستمرت في يد المسلمين نحو 42 سنة. بينما ابن أخيه السلطان الكامل تنازل عنها للصليبيين دون قتال عام 1229م، أي بعد حوالي أربعين عامًا فقط من التحرير. هذا المثال التاريخي يوضح أن الانتماء بالدم أو النسب وحده لا يمنح ضمانًا للوفاء بالمبادئ أو الاستمرارية السياسية، بل أن القوة الحقيقية للهوية تأتي من الدين، اللغة، والتاريخ المشترك، الثقافة، والوعي الجماعي، وليس مجرد الوراثة البيولوجية.
الخاتمة
يتضح من كل ما سبق أن الهوية الكردية ليست مسألة دم أو جينات، بل هي نتاج تاريخي–ثقافي متراكم عبر قرون طويلة من التفاعل الإنساني. الأدلة العلمية من الدراسات الوراثية تؤكد التنوع الجيني الكبير داخل المجتمع الكردي، وتبين تقارب الأكراد مع الفرس من ناحية الأنماط الوراثية القديمة، دون أن يعني ذلك فقدان خصوصيتهم الثقافية واللغوية.
في المقابل، تكشف التجارب السياسية الحديثة، سواء في العراق أو سوريا، عن محدودية النموذج القومي الكردي في حماية المدنيين وضمان العدالة. الحرب الأهلية الكردية بين الطالباني والبارزاني، مجزرة حلبجة، الاشتباكات المتفرقة بين عشيرة الهركي وقوات البشمركة، وحالات القمع والمصالح الفئوية، بما فيها تعيين أفراد العائلة في المناصب العليا، كلها تشير إلى أن الانتماء القومي وحده لا يكفي للحفاظ على أمن المجتمع واستقراره. في سوريا، ساهمت النزاعات والهيمنة السياسية لبعض القيادات في حيّي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب في تعقيد وضع المدنيين الكرد، ما يعكس هشاشة بعض المشاريع القومية حين تواجه تحديات واقعية.
من هذا المنظور، فإن التجربة الكردية العراقية والسورية ليست نموذجًا إيجابيًا، بل درسًا مأساويًا حول أثر الانقسامات الداخلية والفشل القيادي على المجتمع المدني، حتى ضمن هوية قومية متماسكة ثقافيًا ولغويًا.
مع ذلك، يظل رفض فكرة "العرق النقي" أمرًا مهمًا لتحرير الهوية الكردية من تصورات بيولوجية مضللة، وتوجيه التركيز نحو الدين، الثقافة، اللغة، التاريخ المشترك، والوعي الجماعي كأسس أكثر صلابة وإنسانية للهوية. كما يوضح التاريخ، كما في مثال صلاح الدين الأيوبي والسلطان الكامل، أن الانتماء بالدم أو النسب وحده لا يضمن المبادئ أو الاستمرارية السياسية، بل القوة الحقيقية تأتي من الالتزام بالقيم المشتركة والتجربة التاريخية الحية للمجتمع.
انتهى
|