صنعاء نيوز - في زمن باتت فيه المعلومات تنتقل بسرعة البرق، لم تعد البيانات الرسمية وحدها كافية لصياغة رواية مقنعة. وتجربة قوات سوريا الديمقراطية

الإثنين, 12-يناير-2026
صنعاء نيوز/إيهاب مقبل -



في زمن باتت فيه المعلومات تنتقل بسرعة البرق، لم تعد البيانات الرسمية وحدها كافية لصياغة رواية مقنعة. وتجربة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في أحداث الأشرفية والشيخ مقصود في حلب تقدم مثالًا صارخًا على الأزمة التي تواجهها سلطات الأمر الواقع في التوفيق بين أفعالها وسردها الإعلامي.

المشكلة ليست مجرد تضارب في التصريحات، بل هشاشة كاملة في الرواية نفسها، تجعل حتى أنصار قسد يشككون في مصداقيتها أمام الوقائع الميدانية والشهادات العاجلة للسكان.

إشكالية الهوية: ميليشيا أم سلطة؟
قسد تتنقل بين كونها ميليشيا مسلحة وكونها سلطة مسؤولة تدير أحياء مأهولة بالمدنيين. في الأشرفية والشيخ مقصود، اتخذت إجراءات أمنية واسعة تشمل إغلاق الشوارع، الحواجز المتكررة، وانتشار القناصين على الأسطح، ما أثر بشكل مباشر على حياة عشرات الآلاف من السكان.

إلا أن الخطاب الرسمي نفى في البداية وجود أي عناصر تابعة لها في الحي، ووصفت الأحداث بأنها نتيجة "خارجين عن القانون"، محاولةً نزع المسؤولية عن نفسها. وبعد الهجوم على الأشرفية والشيخ مقصود، بدأت في الدفاع عن تدخلها على أنه حماية للمدنيين والأحياء، ما يكشف التناقض الواضح بين الإنكار الأول والحماية اللاحقة. هذا هو الكذب المكشوف لقسد: نفي التورط ثم الدفاع عن نفس الأفعال بعد وقوعها، مع تجاهل الضرر المدني.

الدفاع عن النفس أم إجراءات سلطوية؟
سردية "الدفاع عن النفس" مشروع في حالات الاشتباك المباشر، لكنها تفقد مصداقيتها عندما يُوسع نطاقها ليشمل حصارًا لأحياء كاملة أو تعطيلًا للخدمات الأساسية.

في الأشرفية، بدأت المواجهات بنزاع محدود عند نقطة تفتيش، لكن الرد الأمني شمل حصار الحي، إغلاق الأسواق والمدارس لأيام، وانتشار القناصين على الأسطح. هذا الحجم الكبير من الإجراءات، مقارنة بطبيعة الحدث، جعل الرواية الرسمية تبدو كتبرير سياسي أكثر منها تفسيرًا لأسباب محددة، خصوصًا بعد أن نفت قسد تورط عناصرها في البداية.

غياب المدني في الخطاب
أحد أبرز أوجه القصور هو التعامل مع المدني كعنصر هامشي في السرد. البيانات الرسمية غالبًا ما تنفي وقوع أي أذى مدني، بينما تظهر الشهادات ومقاطع الفيديو حجم المعاناة: توقف الأعمال، انقطاع الكهرباء والماء، خوف الأطفال والعائلات.

في الشيخ مقصود، أفاد السكان أن بعض المنازل تعرضت للقصف العرضي، وأن انتشار القناصين على الأسطح أدى إلى شلل الحركة في الحي. هذا التناقض يعكس الكذب المكشوف ويؤكد أن الخطاب الرسمي منفصل عن الواقع اليومي للسكان.

الاعتماد على افتراض ضعف المتلقي
أحيانًا تُبنى روايات قسد على افتراضات مغلوطة عن جمهورها، مثل أن المتلقي منحاز مسبقًا، أو المتلقي لا يملك بدائل إعلامية. لكن هذا الافتراض لم يعد صحيحًا. السكان يوثقون الأحداث بأنفسهم، ويشاركونها عبر وسائل التواصل، ما يجعل أي تضليل سهل الكشف ويضع الخطاب الرسمي تحت المجهر. الكذب المكشوف لقسد هنا يظهر في محاولة إدارة الجمهور كما لو أنه ضعيف أو عاجز عن التحقق.

مصطلحات فضفاضة بلا دليل
تكرر قسد استخدام توصيفات مثل "مجموعات مندسة" أو "خلايا تخريبية"، لتفسير التوترات الداخلية، دون تقديم أي دليل علني أو اعتقالات واضحة. هذه المصطلحات تتحول سريعًا إلى شماعات سياسية لتبرير إجراءات جماعية، وتفقد مصداقيتها مع الوقت، خاصة عندما يثبت الواقع عدم دقتها.

الهاتف يسبق البيان
في زمن الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، لا يمكن لأي جهة أن تسيطر على سرد الأحداث بالكامل. مقاطع الفيديو والشهادات التي ينشرها السكان أثناء الاقتحامات والاشتباكات وصلت قبل أي بيان رسمي، ما يجعل الرواية الرسمية تبدو متأخرة ودفاعية.

هذا الفارق بين الواقع والبيان يكشف الكذب المكشوف ويضع مصداقية الخطاب في دائرة الشك، حتى بين أنصار قسد.

ارتباك سياسي وليس مجرد كذب
في كثير من الأحيان، لا يكون الأمر مجرد "كذب متعمد" بقدر ما هو خوف من الاعتراف بالخطأ ومحاولة لتبرير قرارات أمنية فاشلة. هذا المزج بين الإنكار والخوف والارتباك يجعل خطاب قسد يبدو متناقضًا ومكشوفًا أمام الجمهور المحلي والدولي.

أزمة ثقة أكثر من أزمة إعلام
المشكلة ليست تقنية إعلامية بحتة، بل أزمة ثقة. الرواية التي تُكتب لتبرير قرارات جاهزة، دون الاعتراف بالضرر أو شرح السياق، قد تنجح مؤقتًا، لكنها تفشل في بناء شرعية مستدامة. تجارب الأشرفية والشيخ مقصود تظهر أن الإنكار المطلق للوقائع، ثم الدفاع عنها لاحقًا، يزيد من شعور السكان بعدم الرعاية أو الاعتراف بمعاناتهم.

الخلاصة
تفشل رواية قسد لأنها تخلط بين منطق الميليشيا العسكرية ومنطق السلطة المسؤولة، ولا تعترف حتى بالضرر الجزئي الذي لحق بالمدنيين. من نفي وجود عناصرها في البداية إلى الدفاع عن نفس الإجراءات بعد الهجوم، وصولًا إلى انتشار القناصين والسيطرة على الحي بالقوة، واعتمادها على افتراض ضعف المتلقي، وارتباكها بين الخطاب الميليشياوي والخطاب السلطوي، كل ذلك يظهر الكذب المكشوف ويؤكد أن مصداقية خطابها تنهار حتى بين أنصارها.

في زمن تنتقل فيه المعلومات بسرعة غير مسبوقة، لم يعد ممكنًا فرض الرواية بالقوة أو حماية الصورة بالإنكار. الشرعية اليوم تُبنى على الاعتراف والشفافية واحترام وعي الجمهور، وسؤال قسد يبقى مفتوحًا: هل ستعيد صياغة خطابها بما يتوافق مع وعي الجمهور، أم ستستمر في التمسك بلغة الميليشيات، مع كل ما يترتب على ذلك من كلفة سياسية ومعنوية؟

نموذج من الكذب المكشوف لقسد موثق إعلاميًا
https://www.youtube.com/watch?v=3D7O-Dtl2c8

انتهى
تمت طباعة الخبر في: الإثنين, 12-يناير-2026 الساعة: 10:11 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: https://sanaanews.net/news-106524.htm