صنعاء نيوز/ إيهاب مقبل -
منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة في العام 1921، شكّل الحفاظ على وحدة البلاد تحديًا مستمرًا، خصوصًا في المناطق الشمالية ذات الطبيعة الجبلية المعقدة وتنوّعها القومي. في هذا السياق، برزت قوات الدفاع الوطني أو الافواج الخفيفة أو الفُرسان كأداة أمنية وعسكرية فعّالة اعتمدت عليها الدولة لتعزيز سيادتها وبسط نفوذها في المناطق التي شهدت نشاطًا مكثفًا للحركات المسلحة الانفصالية في شمال العراق. وتمثل هذه القوات، التي في غالبيتها من المقاتلين الأكراد والكلدان والآشوريين وغيرهم من الأقليات العرقية في شمال العراق وسهل نينوى، نموذجًا عمليًا لدمج الطاقات المحلية في مشروع الدولة، والدفاع عن وحدة العراق واستقراره.
النشأة والتطور
تعود جذور تشكيل الفُرسان إلى العهد الملكي (1921–1958)، حين حاولت الدولة الناشئة إيجاد صيغ أمنية تتلاءم مع الواقع الاجتماعي والجغرافي لشمال العراق. واستُلهم نموذجها الأولي من جيش الليفي، الذي يقوم على إشراك أبناء المناطق المحلية في المهام العسكرية والأمنية. ومع مرور الوقت، تطوّر النموذج ليصبح أكثر تنظيمًا واحترافية، لا سيما خلال ستينيات القرن العشرين، حين أُلحقت القوات بقيادة الفرقة الجبلية الرابعة في الموصل.
برز عدد من الضباط البارزين في تأسيس هذه القوات، وأسهموا في تحويلها إلى قوة شبه نظامية فاعلة، قادرة على العمل جنبًا إلى جنب مع الجيش العراقي النظامي في أصعب الظروف الميدانية، وتنفيذ مهام معقدة على الأرض.
الدور العسكري والأمني
أثبتت قوات الفُرسان أهميتها خلال الحملات العسكرية ضد الحركات القومية الكردية المسلحة، مستفيدة من معرفتها الدقيقة بالتضاريس الجبلية والطرق الوعرة، واندماجها الاجتماعي داخل المجتمعات المحلية، وقدرتها على التحرك السريع والمرن مقارنة بالقوات النظامية الثقيلة.
وكان لهذه العوامل دور حاسم في تقليص قدرات الفصائل الانفصالية المسلحة على الحركة والمناورة، بالإضافة إلى فك الحصارات عن القطعات العسكرية، وتأمين المدن والبلدات، وحماية المرافق الحيوية. كما ساهمت في تعزيز الاستقرار النسبي في مناطق شهدت اضطرابات طويلة الأمد.
الفُرسان كقوة إسناد وطنية
لم تقتصر مهمة الفُرسان على القتال؛ فقد أدّت دورًا استراتيجيًا في تعزيز وجود الدولة العراقية داخل المجتمع المحلي. وكانت حلقة وصل بين السلطة المركزية والسكان، وساعدت في ترسيخ مفهوم الانتماء للدولة العراقية الجامعة. وقد أسهم هذا التكامل بين الدولة والمجتمع المحلي في كسب ولاءات عشائرية واجتماعية انعكست على موازين القوى على الأرض.
مكافحة التدخل الخارجي ودور الفُرسان في حماية السيادة
إلى جانب مواجهة الحركات الانفصالية، لعبت قوات الفُرسان دورًا مهمًا في صد محاولات دعم خارجي للفصائل المسلحة في شمال العراق، بما في ذلك المعلومات الميدانية ومراقبة نشاط العناصر، ولاسيما عناصر الموساد الإسرائيلي، التي كانت تحاول التدخل في الشؤون الداخلية للدولة. وقد ساهم هذا الدور في حماية سيادة العراق وأمنه القومي، عبر الحد من تأثير القوى الأجنبية التي سعت إلى دعم بعض الحركات الكردية الانفصالية في شمال البلاد.
الاستمرارية وتعدد الأدوار
استمر اعتماد الدولة العراقية على هذه القوات لمواجهة حركة بارزان الأولى (1931-1932)، أو صيغ مشابهة لها، خلال نزاعات لاحقة، مثل حركة بارزان الثانية (1943 – 1945)، وحركة بارزان الثالثة (أواخر 1947)، وحرب كردستان العراق (1961-1970)، وحرب كردستان العراق (1974-1975)، وحرب الخليج الأولى (1980-1988)، وحرب الخليج الثانية 1991، والحرب الأهلية الكردية (1994-1997)، وحرب الخليج الثالثة في العام 2003. ومع تغيّر الأطر التنظيمية، ظل الجوهر واحدًا: "قوة محلية مساندة للدولة، تعمل تحت قيادتها، وتدافع عن وحدتها وسيادتها ضد التهديدات الداخلية والخارجية.
إمكانية استلهام نموذج الفُرسان في سوريا
تفتح تجربة الفُرسان النقاش حول مدى قابلية نموذج القوات المحلية شبه النظامية للاستلهام في سوريا، والتي تواجه تحديات مشابهة في الأطراف الجغرافية، وخصوصًا في مناطق النزاع مع الحركات القومية المسلحة في شمالها وشرقها.
ومن الناحية النظرية، قد يتيح هذا النموذج: "تعزيز الوجود السيادي للدولة السورية في شمالها وشرقها عبر قوى محلية موالية، وتقليص فجوة الثقة بين المؤسسات المركزية والمجتمعات المحلية، وتحييد نفوذ الحركات الانفصالية عبر سحب جزء من قاعدتها الاجتماعية، ورفع كفاءة العمل الأمني في البيئات المعقدة، مستفيدًا من المعرفة المحلية بالتضاريس والعلاقات الاجتماعية".
ويُفهم استلهام النموذج بوصفه خيارًا تحليليًا ودراسة مقارنة، لا إجراءً عمليًا، إذ تعكس التجربة العراقية كيف يمكن للدولة تعزيز استقرارها ووحدتها عبر دمج القوى المحلية ضمن بنية وطنية واضحة.
كما يُلاحظ أن هناك شريحة ليست بالقليلة من الأكراد في سوريا تعارض أنشطة حزب العمال الكردستاني وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) وسياساتهما، وتعبر عن رغبتها في الحفاظ على وحدة الدولة السورية ورفض أي مشاريع انفصالية. وتشير هذه المواقف إلى وجود ديناميكيات اجتماعية وسياسية داخل المجتمع الكردي متحضرة وواعية يمكن للدولة الاستفادة منها لتعزيز الأمن والاستقرار، ودراسة إمكانية تشكيل قوى محلية موالية للدولة تساهم في ضبط النفوذ الانفصالي في المناطق الشمالية والشرقية.
الخلاصة
تمثل قوات الفُرسان، نموذجًا بارزًا للقوات المحلية شبه النظامية التي اعتمدت عليها الدولة العراقية منذ تأسيسها للحفاظ على وحدتها وسيادتها، خصوصًا في شمال البلاد ذي الطبيعة الجبلية المعقدة والتنوّع القومي. وقد أثبتت هذه القوات فعاليتها في مواجهة الحركات القومية الكردية المسلحة، وحماية القرى والمراكز الحيوية، ودعم الجيش النظامي، مع قدرة عالية على التحرك في التضاريس الوعرة ومعرفة دقيقة بالمجتمعات المحلية.
ولعبت الفُرسان دورًا مهمًا أيضًا في صد التدخلات الخارجية ومحاولات دعم الفصائل المسلحة، بما في ذلك النشاطات المخابراتية، ما ساهم في حماية سيادة العراق وأمنه القومي. واستمرت هذه القوات في المشاركة بمختلف النزاعات والحروب، من حركة بارزان الأولى مرورًا بحرب كردستان وحروب الخليج، وصولًا إلى حرب العراق 2003، مع الحفاظ على جوهرها كقوة محلية مساندة للدولة.
تفتح تجربة الفُرسان الباب لدراسة إمكانية استلهام هذا النموذج في سياقات مشابهة مثل سوريا، حيث يمكن للقوى المحلية الموالية للدولة أن تعزز السيطرة المركزية لدمشق، وتحدّ من نفوذ الحركات الانفصالية، وتدعم الأمن والاستقرار في المناطق الطرفية. ورغم خصوصية التجربة العراقية، تظل درسًا مهمًا في الاستفادة من القوى المحلية ضمن إطار وطني منضبط لتعزيز وحدة الدولة وحماية سيادتها.
انتهى
|