صنعاء نيوز/إيهاب مقبل -
بسقوط بشار الأسد في أواخر عام 2024، لم تسقط مجرد شخصية أو نظام، بل سقطت مرحلة كاملة كانت تعيش عليها قوى الأمر الواقع، وفي مقدمتها ميليشيا "قسد". فالمشهد السوري تغيّر جذريًا، لكن قسد ما زالت تتصرّف وكأنها تعيش في عام 2016، وكأن الذرائع القديمة ما زالت صالحة للاستخدام.
المفارقة أن قسد لم تُهزم عسكريًا، بل سياسيًا وتاريخيًا. هُزمت لأن الواقع تجاوزها، ولأنها رفضت أن تعترف بأن الظروف التي صنعتها قد انتهت.
عندما يسقط العدو… ينكشف الزيف
لسنوات طويلة، بنت قسد شرعيتها المزعومة على وجود نظام الأسد. قدّمت نفسها باعتبارها "البديل"، ورفعت خطاب الحماية والديمقراطية في مواجهة الاستبداد. لكن ماذا يحدث عندما يسقط النظام؟
يحدث ما تخشاه كل سلطة قامت على الخوف: "الانكشاف".
بسقوط الأسد، انتهى المبرر الأساسي لبقاء قسد كقوة مسلحة تسيطر على الأرض، وتفرض القوانين، وتحتكر السلاح والقرار. لم يعد هناك "نظام" لتواجهه، ولم تعد هناك حرب شاملة تبرر الحكم بالقوة. ومع ذلك، تصر قسد على الاستمرار كأن شيئًا لم يتغير.
قسد: ورق مراحيض السياسة الأمريكية
لا يفهم الكثيرون أن قسد بالنسبة لأمريكا كانت مجرد ورق مراحيض استخدمته واشنطن لفترة محددة، ثم رمت به في سلة النفايات، تمامًا كما حدث مع الأحزاب القومية الكردية في شمال العراق عام 1991، عندما تركتهم يواجهون ضربات الجيش العراقي بلا حماية ولا دعم. الدعم الأمريكي لقسد لم يكن تضحية ولا حليفًا، بل أداة مؤقتة، وفور انتهاء الحاجة، سيُترك هذا الكيان يواجه مصيره وحده.
أمريكا: الداعم الذي لم يعد بحاجة لقسد
قسد أخطأت حين اعتقدت أن الدعم الأمريكي ضمانة أبدية. واشنطن لم تكن يومًا شريكًا في مشروع سياسي كردي، بل مستخدمًا ذكيًا لقوة محلية تؤدي وظائف لمصلحة النفوذ الأمريكي في المنطقة: "مرتزقة".
اليوم، بعد سقوط الأسد وبدء مرحلة سياسية جديدة في دمشق بقيادة أحمد الشرع، تغيّر الحساب الأمريكي. لم يعد السؤال: كيف نُدير الصراع؟ بل: لماذا نُبقي على قوة مسلحة خارج إطار الدولة؟
الصمت الأمريكي الحالي ليس حيادًا، بل رسالة باردة مفادها أن قسد لم تعد أولوية. الدعم لم يُقطع، لكنه فقد معناه السياسي. وهذا أخطر ما يمكن أن تواجهه أي قوة قائمة على الخارج.
قسد وإسرائيل: ورق مراحيض مؤقت وخيانة متوقعة
لم تكن قسد تعتمد على أمريكا وحدها. في الخفاء، عوّلت على إسرائيل لفترة، باعتبارها شريكًا محتملًا يوفر الدعم الاستخباراتي والتغطية السياسية في مواجهة دمشق والفصائل العربية المنافسة. لكن، كما حدث مع واشنطن، انتهت اللحظة التي أصبحت فيها قسد مفيدة، لتكتشف فجأة أن تل أبيب لم تعد تمنحها حماية ولا دعمًا سياسيًا، وأن التحالف كان مؤقتًا بالكامل.
قسد لم تكن سوى ورق مراحيض آخر في سياسة القوى الكبرى: تُستخدم، تُستهلك، ثم تُلقى بعيدًا عندما تنتهي فائدتها. الاعتماد على قوى خارجية لم يضمن البقاء أبدًا، خاصة عندما تصبح ميليشيا مجرد عبء أو أداة استهلاك. وهذا الدرس القاسي لم تتعلمه قسد بعد، لكنها ستدفع ثمنه عاجلًا أم آجلًا.
ديمقراطية تحت فوهة البندقية
لا شيء يفضح التناقض أكثر من خطاب قسد عن الديمقراطية. أي ديمقراطية هذه التي تُفرض بالتجنيد الإجباري واختطاف الأطفال والقاصرين؟ وأي حرية تُدار بسجون الرأي الواحد؟ وأي إدارة ذاتية تُحرض ضد العرب، وتقمع العشائر، وتمنع الإعلام المستقل؟
الديمقراطية التي تحتاج سلاحًا لتبقى، ليست ديمقراطية، بل سلطة أمر واقع مغلّفة بشعارات. ومع سقوط الأسد، لم يعد هذا التغليف مقنعًا لأحد، لا داخليًا ولا خارجيًا.
الإدارة الذاتية: مشروع بلا اعتراف ولا أفق
ما يسمى بالإدارة الذاتية وصل إلى سقفه. لا اعتراف دولي، لا اقتصاد حقيقي، لا خدمات مستقرة، ولا قبول شعبي واسع حتى من الأكراد أنفسهم. النفط يُدار كغنيمة، والضرائب تُفرض بالقوة، والقرار محتكر بيد حزب واحد.
اليوم، لم تعد هذه الإدارة "مرحلة انتقالية"، بل عبئًا على أي حل وطني. وكل يوم تأخير في تفكيك هذا النموذج يزيد من كلفة الانفجار القادم.
بين دمشق الجديدة وأنقرة: الاختناق الاستراتيجي
قسد اليوم محاصرة سياسيًا. الدولة السورية الجديدة لن تقبل بسلطة موازية داخل حدودها، وتركيا لن تقبل كيانًا مسلحًا مرتبطًا بحزب تعتبره تهديدًا وجوديًا. وأمريكا، كعادتها، لن تخوض حربًا من أجل قسد.
في هذا المشهد، لا تملك قسد ترف المناورة. المنطقة الرمادية التي عاشت فيها لسنوات تختفي بسرعة، ومعها يختفي هامش الخطأ.
اللحظة التي تكرهها الميليشيات: لحظة الاختيار
قسد اليوم أمام اختبار وجودي حقيقي، لا خطابات ولا شعارات يمكنها الهروب منه. إما أن تعترف بأن زمن السلاح خارج الدولة انتهى، وتذهب إلى اندماج حقيقي دون شروط فوقية، أو أن تواصل المكابرة حتى تتحول إلى مشكلة أمنية يتم التعامل معها بلا أي غطاء سياسي.
التاريخ لا يرحم القوى التي تفشل في قراءة التحولات. ومن يصر على العيش في مرحلة انتهت، يجد نفسه فجأة بلا حلفاء، وبلا مبرر، وبلا مستقبل.
قسد لم تخسر لأنها ضعيفة عسكريًا، بل لأنها لم تفهم أن سقوط الأسد لم يكن مجرد تغيير أسماء، بل تغيير قواعد لعبة كاملة. ومن يرفض الاعتراف بذلك، لن يسقط فجأة… بل سيتآكل ببطء، حتى يكتشف متأخرًا أنه أصبح خارج الدولة، وخارج السياسة، وخارج الزمن.
انتهى
|