صنعاء نيوز - 
يمثّل يوم 17 يناير كانون الثاني تاريخًا مفصليًا في الذاكرة المعاصرة للدول العربية. ففي فجر هذا اليوم من عام 1991، بدأت حرب الخليج الثانية

السبت, 17-يناير-2026
صنعاء نيوز/ إيهاب مقبل -


يمثّل يوم 17 يناير كانون الثاني تاريخًا مفصليًا في الذاكرة المعاصرة للدول العربية. ففي فجر هذا اليوم من عام 1991، بدأت حرب الخليج الثانية مع انطلاق أعنف حملة قصف جوي شهدتها المنطقة حتى ذلك الوقت، حين تحولت سماء بغداد إلى مسرح نيران مفتوح، معلنة بداية الحرب الأميركية على العراق. وبعد عشرين عامًا، دخلت سوريا مسارًا مختلفًا في الشكل، لكنه متقاطع في النتائج، مع حرب طويلة امتدت من عام 2011 حتى 2024، وأنتجت دمارًا هائلًا وخسائر إنسانية غير مسبوقة في تاريخها الحديث.

حرب الخليج 1991: الصدمة بالنار في زمن قصير
اتسمت حرب الخليج عام 1991 بطابعها الخاطف والمركّز من قبل 34 دولة بقيادة أمريكا الشمالية. فمنذ ليلة 17 يناير كانون الثاني وحتى نهاية العمليات العسكرية في فبراير شباط من العام نفسه، أُلقي على العراق نحو 88 ألف طن من القنابل والمتفجرات خلال نحو ستة أسابيع فقط. هذه الكمية الهائلة تعادل، وفق تقديرات عسكرية، ما يقارب سبعة أضعاف الطاقة التفجيرية لقنبلة هيروشيما النووية، لكنها استُخدمت بأسلحة تقليدية عالية الدقة.

تركّز القصف على البنية التحتية الاستراتيجية، من محطات الكهرباء والمياه، إلى الجسور والمطارات ومراكز القيادة والاتصالات، ما أدى إلى شلل شبه كامل للدولة العراقية خلال فترة وجيزة. وعلى الرغم من قصر مدة الحرب، فإن آثارها كانت عميقة وطويلة الأمد، إذ دخل العراق بعدها في سنوات من الحصار والانهيار الاقتصادي.

من حيث الخسائر البشرية، تشير التقديرات إلى مقتل نحو 70 ألف إلى 100 ألف جندي عراقي خلال العمليات، إضافة إلى آلاف المدنيين الذين قُتلوا نتيجة القصف المباشر، إذ تركز القصف بالدرجة الأساسية على العاصمة بغداد. أما الخسائر المادية فقد قُدّرت بعشرات المليارات من الدولارات، مع تدمير واسع للبنية التحتية المدنية والعسكرية.

وفي ذروة تلك الليالي القاسية، وبينما كانت بغداد تحت القصف، ظهر الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في خطاب متلفز، مستدعيًا بعدًا دينيًا رمزيًا يصف فيها حجم الأذى والنيران، حين قال: «يا نارُ كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم».

ورغم هول تلك الليالي التي عاشها العراقيون، ولاسيما البغداديون منذ 17 يناير 1991، ورغم حجم النار التي أُلقيت على بغداد ومدن العراق الأخرى في زمن قصير، فإن ما لا يمكن قياسه بالأرقام هو صمود الإنسان العراقي. فقد واجه العراقيون القصف والحصار والانهيار الاقتصادي بقدرة استثنائية على البقاء، محافظين على نسيجهم الاجتماعي وحياتهم اليومية في ظل ظروف قاسية لم تعرفها شعوب كثيرة. لم يكن الصمود العراقي مجرد تحمّل للألم، بل كان فعل مقاومة صامتة، تجلّى في استمرار الحياة، وفي تمسّك الناس بكرامتهم، وفي قدرتهم على إعادة النهوض مرارًا رغم تراكم الحروب والعقوبات.

الحرب السورية 2011–2024: دمار بطيء ومتراكم
على النقيض من حرب الخليج، جاءت الحرب السورية طويلة، معقّدة، ومتعددة الأطراف. فمنذ عام 2011 وحتى 2024، تعرّضت المدن السورية لقصف متكرر باستخدام وسائل متنوعة، شملت القنابل الجوية التقليدية، البراميل المتفجرة، الصواريخ، والمدفعية الثقيلة، من أطراف عدة داخلية وخارجية.

وعلى الرغم من غياب رقم رسمي موحّد، تشير التقديرات إلى أن كمية المتفجرات التي أُلقيت على سوريا خلال هذه السنوات تراوحت بين 75 ألف و120 ألف طن. أي أن سوريا تعرّضت لقوة تدميرية تعادل، وربما تفوق، ما تعرّض له العراق عام 1991، لكن الفارق الجوهري أن هذا الدمار كان موزعًا على 13 عامًا، لا على أسابيع.

الخسائر البشرية في سوريا كانت كارثية. فقد قُتل أكثر من 500 ألف شخص بحسب تقديرات منظمات حقوقية، معظمهم من المدنيين، إضافة إلى إصابة مئات الآلاف. كما أُجبر أكثر من 13 مليون سوري على النزوح أو اللجوء، وهو ما يجعلها واحدة من أكبر أزمات اللجوء في التاريخ الحديث.

لكن ما لا تُحصيه الأرقام هو صوت السوريين أنفسهم. صراخهم الذي خرج من تحت الأنقاض، من السجون، من البيوت المحاصَرة، ومن شاشات الهواتف التي وثّقت القصف لحظة بلحظة. كان صراخ السوريين نداء استغاثة طويلًا امتد سنوات، صراخ أطفال تحت الركام، وأمهات يودّعن أبناءهن، ومدن كاملة تصرخ ولا يسمعها العالم إلا متأخرًا. لم يكن الصراخ فعل ضعف، بل شهادة حيّة على حجم الألم، ومحاولة أخيرة للتشبث بالحياة في حرب طال أمدها حتى أصبح الصمت فيها أشد قسوة من الصوت.

وما ميّز الحرب السورية عن حرب العراق عام 1991، أنها اندلعت في زمن الهاتف المحمول ووسائل التواصل الاجتماعي. كانت حربًا تُوثَّق بالصوت والصورة، لا تُروى بعد انتهائها. حمل المدنيون الكاميرا بدل المراسلين، وبثّوا القصف مباشرة من تحت الركام. في المقابل، لم يكن الموبايل حاضرًا في حرب الخليج، ولم تكن الصورة في يد العراقيين. بقيت معاناتهم محجوبة خلف البيانات العسكرية وصور الأقمار الصناعية، ولم يُكشف الكثير من الألم إلا بعد سنوات. ومع ذلك، فإن وضوح الصورة في سوريا لم يمنع استمرار الحرب، كما أن غياب الصورة في العراق لم يمنع الدمار؛ اختلفت الوسائل، وبقي الإنسان العربي هو الضحية.

ماديًا، دُمّرت مدن كاملة مثل أحياء واسعة من حلب وحمص والرقة ودير الزور، وقدّرت الخسائر الاقتصادية بما يزيد على 400 مليار دولار، مع انهيار شبه كامل لقطاعات الصناعة، الزراعة، والخدمات.

مقارنة بين الحربين: الكثافة مقابل الزمن
عند مقارنة الحربين، يتضح أن حرب الخليج 1991 كانت مثالًا لحرب الصدمة: قوة تدميرية هائلة في زمن قصير، أفضت إلى حسم عسكري سريع، لكنها خلّفت دولة منهكة. أما الحرب السورية فكانت حرب استنزاف طويلة، تآكل فيها المجتمع والدولة تدريجيًا، وامتد أثرها الإنساني والاقتصادي إلى ما بعد توقف المعارك.

من حيث كمية المتفجرات، فإن سوريا تعرّضت لكمية من المتفجرات قد تزيد عن 26% مقارنة بحجم المتفجرات التي القيت على العراق عام 1991. غير أن الفارق في الكثافة الزمنية جعل أثر حرب الخليج أشبه بصدمة مفاجئة، بينما كان أثر الحرب السورية أشبه بنزيف طويل.

17 يناير 2026: دلالة الذاكرة والمعنى
في 17 يناير كانون الثاني 2026، لا يعود هذا التاريخ مجرد ذكرى لبداية حرب، بل يصبح رمزًا لمسارين مختلفين من الدمار. فحرب الخليج أثبتت أن التكنولوجيا قادرة على تدمير دولة خلال أسابيع، بينما أثبتت الحرب السورية أن الصراع الطويل قد يدمّر مجتمعًا كاملًا عبر سنوات.

مقطع من فيلم رسالة الى العالم اخراج محمد الخطاب انتاج 1997 لضربة ملجأ العامرية في بغداد 1991

https://www.youtube.com/watch?v=phnBQm9MKCc

انتهى
تمت طباعة الخبر في: السبت, 17-يناير-2026 الساعة: 09:13 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: https://sanaanews.net/news-106585.htm