صنعاء نيوز/ -
إيهاب مقبل
الهزائم المتتالية التي تعرّضت لها قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في أحياء حلب، ودير حافر، والطبقة لم تكن مفاجأة عسكرية. بل كانت نتيجة طبيعية لمسار سياسي خاطئ، بُني على وهم القوة والاعتماد الأعمى على دعم خارجي مؤقت. الأخطر من هذه الهزائم هو انتقال تداعياتها مباشرة إلى إقليم كردستان العراق، الذي وجد نفسه فجأة في قلب أزمة لم يكن طرفًا فيها، لكنه بات مضطرًا لتحمل نتائجها.
قسد: قوة بلا رؤية سياسية
قدّمت قسد نفسها كقوة سورية محلية متعددة المكونات، لكنها أثبتت أنها كيان عسكري بلا أفق سياسي. تعاملت مع سيطرتها الميدانية على أنها مكتسب دائم، متجاهلة التحولات الإقليمية وموازين القوى الحقيقية. هذا العناد السياسي الممزوج بعسكرة القرار جعلها تخسر الأرض والدعم الدولي معًا، وحوّلها اليوم من ورقة ضغط إلى عبء ثقيل على إقليم كردستان وكل من ارتبط بها.
حزب العمال الكردستاني: عبء أيديولوجي لا حليف
لا يمكن فهم مسار قسد دون الإشارة إلى دور حزب العمال الكردستاني (PKK)، الذي حول التجربة السورية إلى امتداد صدامي لمعاركه المفتوحة مع تركيا. وجود الحزب في سوريا والعراق لم يكن حماية للأكراد، بل عبئًا سياسيًا وأمنيًا. في العراق، جعل PKK من إقليم كردستان هدفًا مستمرًا للتوتر، وزاد الضغط التركي على الإقليم، وأضر بسمعته أمام بغداد والمجتمع الدولي.
صورة قسد وPKK اليوم: المستهترون بأرواح المدنيين
الهزائم الأخيرة كشفت الوجه الأكثر خطورة للتمدد العسكري الكردي: صورة المقاتل القسدي وPKK اليوم تبدو كمستهترين بأرواح المدنيين، يركّزون على الصراع المسلّح والانتقام الإيديولوجي أكثر من حماية المجتمع المحلي أو بناء تحالفات سياسية مستدامة. بالمقابل، نجح المقاتل في الجيش السوري في كسب المعركة أخلاقيًا وسياسيًا من خلال التعامل الإيجابي مع الأكراد والمجتمعات المحلية، وتقديم نموذج لإدارة النزاع بشكل يوازن بين القوة والسياسة، وهو ما أهدرته قسد وPKK لصالح مشاريع شخصية وأيديولوجية ضيقة.
ارتدادات الهزيمة على إقليم كردستان
اليوم، يواجه إقليم كردستان العراق معضلة حقيقية. فهو يسعى للاستقرار والتنمية، لكنه في الوقت نفسه يُجرّ إلى أزمات أمنية بسبب ارتباط اسمه بـقسد وPKK. الصمت أو التردد في معالجة هذا الارتباط لم يعد حيادًا، بل أصبح عبئًا سياسيًا قد يفتح الباب أمام تدخلات إقليمية ويضع الإقليم في مأزق طويل الأمد.
الخطاب القومي: ستار للفشل
أحد أكبر أخطاء قسد وPKK هو استخدام الخطاب القومي لإسكات النقد. كل مراجعة تُوصم بالخيانة، وكل دعوة للواقعية تُتهم بالتفريط. هذا الأسلوب أعاق المحاسبة، وأبقَى القيادات في دائرة الإنكار، حتى تحوّلت الهزيمة إلى حقيقة واقعية لا يمكن تبريرها أو تجاهلها.
أربيل وبغداد: ضرورة التعاون لضبط الحدود
مع هذا الانكشاف الأمني، لم يعد بإمكان إقليم كردستان حماية نفسه بمفرده. التعاون الجاد مع بغداد أصبح ضرورة استراتيجية لضبط الحدود السورية–العراقية، ومنع الفراغات الأمنية من التحول إلى ممرات للجماعات المسلحة. التنسيق هنا يحمي العراق ويمنح الإقليم غطاء سياسيًا أقوى، ويعيد تعريفه كشريك مسؤول في الاستقرار وليس كطرف ملتبس في الصراعات.
كيف يتعامل إقليم كردستان مع قسد؟
التعامل الضبابي مع قسد لم يعد مقبولًا. على أربيل أن تميز بوضوح بين التعاطف القومي والتورط السياسي. قسد ليست حزبًا مدنيًا، ولا كيانًا شرعيًا داخل العراق، بل قوة مسلحة تعمل خارج حدوده ومرتبطة بمشروع يهدد استقرار الإقليم.
من المنطقي إعادة النظر في وجود مكاتب قسد ونشاطها السياسي أو الإعلامي داخل الإقليم. السماح لها بالعمل بحرية يبعث برسائل خاطئة إلى بغداد ودمشق وأنقرة وطهران والمجتمع الدولي، ويجعل الإقليم يبدو كحاضنة غير مباشرة لمشروع عسكري عابر للحدود. إغلاق هذه المكاتب أو تجميد نشاطها لا يعني معاداة الأكراد في سوريا، بل حماية لإقليم كردستان من الانزلاق إلى صراعات لا طائل منها.
التأثيرات المستقبلية المحتملة على الإقليم
إذا استمر التردد في حسم العلاقة مع قسد وPKK، فإن الإقليم سيواجه تصعيدًا أمنيًا أكبر، تراجعًا في الثقة الدولية، وضغوطًا اقتصادية متزايدة. أما إذا اتخذ موقفًا واضحًا وفصل نفسه عن المشاريع المسلحة، وعزز تعاونه مع بغداد، فسيتمكن من تحويل الأزمة إلى نقطة قوة، وترسيخ نفسه كنموذج كردي مختلف، يعتمد على السياسة والاقتصاد لا على السلاح والخطاب الأيديولوجي الفاشل.
خاتمة: لحظة القرار الحاسمة
ما يجري اليوم ليس أزمة عابرة، بل لحظة اختبار حقيقي للقيادة السياسية في إقليم كردستان العراق. إما الاستمرار في دفع ثمن مغامرات فاشلة تقودها بنادق بلا أفق، أو اتخاذ قرار شجاع بالقطيعة السياسية مع هذه المشاريع، وبناء مستقبل الإقليم على أساس الاستقرار والعقلانية. هذه اللحظة لا تحتمل التردد، والتاريخ لن يمنح فرصة ثانية للمترددين.
جانب من هزائم قسد في المعارك الأخيرة
https://www.youtube.com/watch?v=pogRr6YbeRg
انتهى
|