صنعاء نيوز - في خضمّ النقاشات العالمية المتسارعة حول تنظيم الذكاء الاصطناعي وصياغة أطره الأخلاقية والتشريعية، يلفتني—كمتابع ومشارك

الأربعاء, 21-يناير-2026
صنعاء نيوز/بقلم د. غسّان شحرور -


من يكتب قواعد الذكاء الاصطناعي؟
غياب الصوت العربي ومكانة المرأة



في خضمّ النقاشات العالمية المتسارعة حول تنظيم الذكاء الاصطناعي وصياغة أطره الأخلاقية والتشريعية، يلفتني—كمتابع ومشارك في قضايا التحول الرقمي منذ سنوات—ضعف الحضور العربي عموماً، وغياب النساء العربيات على وجه الخصوص، عن المنصّات التي ستحدّد ملامح هذه التكنولوجيا لعقود قادمة. وهذا الغياب لا يبدو خللاً تمثيلياً فحسب، بل مؤشراً مقلقاً على اختلال أعمق في العدالة والمشاركة وصناعة المستقبل.

هذا الغياب ليس تفصيلاً تقنياً ولا مسألة نخبوية، لأن القواعد التي تُكتب اليوم ستُطبّق غداً على مجتمعاتنا، وعلى أنظمتنا التعليمية والصحية والإعلامية، وعلى أسرنا وأطفالنا، سواء شاركنا في صياغتها أم لا. ومن هنا، لم يعد السؤال الحقيقي: هل سنستخدم الذكاء الاصطناعي؟ بل أصبح: من يضع قيمه؟ ومن يحدّد حدوده؟ ومن يُمثَّل فيه؟

يأتي هذا المقال متزامناً مع اليوم الدولي للمرأة في تعددية الأطراف، الذي يصادف 25 يناير من كل عام، وهي مناسبة أممية تهدف إلى إبراز دور النساء في صياغة السياسات الدولية وتعزيز مشاركتهن في الحوكمة العالمية. وتمثّل هذه المناسبة فرصة ضرورية لإعادة طرح سؤال مؤجَّل عربياً: أين هو الصوت العربي، وأين هي المرأة العربية، في النقاشات العالمية حول الذكاء الاصطناعي وأخلاقياته؟

من خلال تجربتي في الكتابة والنشر حول الأخلاقيات الرقمية والمحتوى العربي، كنت ألاحظ باستمرار أن غياب التمثيل المبكر لا يُصحَّح لاحقاً بسهولة. ففي مقالي المنشور في سبتمبر 2025 في عدد من المنصّات الإعلامية العربية بعنوان: «الذكاء الاصطناعي: نحو ذاكرة أخلاقية وعدالة رقمية للجميع… نداء إلى منظمات المجتمع المدني والتطوعي والإعلام العربي»، أكّدتُ أن ما لا نكتبه نحن اليوم ستكتبه الخوارزميات عنا غداً، وأن غياب البعد الأخلاقي والإنساني في مراحل التأسيس الأولى يخلّف فجوات طويلة الأمد يصعب ردمها لاحقاً.

لقد شهدنا هذا الأمر سابقاً في بدايات التحول الرقمي. ففي السنوات الأولى للإنترنت، كان المحتوى العربي ضعيف الحضور، لا بسبب غياب اللغة أو الثقافة، بل بسبب غياب السياسات والتمكين والمشاركة المنظمة. واحتجنا سنوات طويلة لمحاولة تعويض ذلك النقص. واليوم، مع الذكاء الاصطناعي، نحن أمام خطر تكرار الخطأ نفسه، ولكن على مستوى أعمق وأكثر تأثيراً، لأن هذه التكنولوجيا لا تكتفي بنقل المحتوى، بل تُصنّف البشر، وتتخذ قرارات، وتعيد تشكيل الفرص والصور الذهنية.

من هنا، تبدو حوكمة الذكاء الاصطناعي بحاجة ماسّة إلى ما يمكن تسميته بـ«الذاكرة الأخلاقية»؛ أي استحضار دروس المراحل السابقة، حين أدّى غياب التمثيل المتوازن إلى تحيّزات بنيوية استمر أثرها سنوات. فالتكنولوجيا التي تُطوَّر دون حساسية ثقافية، ودون حضور نسائي فاعل، تميل إلى إعادة إنتاج الصور النمطية وتضخيمها عبر البيانات والخوارزميات.

فالذكاء الاصطناعي لم يعد موضوعاً تقنياً يخصّ الخبراء وحدهم. لقد أصبح جزءاً من التعليم، والرعاية الصحية، والإعلام، وسوق العمل، والخدمات الحكومية، أي أنه بات حاضراً في تفاصيل الحياة اليومية لكل أسرة عربية. وحين تُبنى هذه الأنظمة على بيانات وسياقات لا تعبّر عن مجتمعاتنا، فإن نتائجها قد تكون غير منصفة، أو حتى مؤذية، رغم الخطاب الإيجابي المصاحب لها.

ورغم وجود كفاءات عربية نسائية متميزة في مجالات الطب والتعليم والبحث والعمل المجتمعي، ما يزال حضور المرأة العربية ضعيفاً في المنصّات الدولية المعنية بحوكمة الذكاء الاصطناعي. هذا الغياب لا يعكس نقصاً في المعرفة أو القدرة، بل فجوة واضحة في السياسات والتمكين والفرص. والنتيجة هي معايير عالمية تُصاغ دون أن تعبّر عن الواقع العربي ولا عن تنوّعه الثقافي والإنساني.

وتشير التقارير الدولية إلى هذا الخلل بوضوح. فالنساء يشكّلن النسبة الأكبر من العاملين في قطاعات الصحة والتعليم والرعاية، وهي من أكثر القطاعات تأثراً بتطبيقات الذكاء الاصطناعي، ومع ذلك يبقى تمثيلهن محدوداً في مواقع صنع القرار العالمية. وفي المقابل، بدأت مناطق أخرى من العالم، مثل إفريقيا وآسيا، بدعم مبادرات نسائية فاعلة في هذا المجال، ما يجعل الفجوة العربية أكثر وضوحاً.

إن غياب المرأة العربية عن حوكمة الذكاء الاصطناعي لا ينعكس على النساء وحدهن، بل يمتد أثره إلى الأسرة والمجتمع بأكمله. فخوارزميات غير منصفة قد تعيد تشكيل الأدوار الاجتماعية، أو تؤثر في فرص العمل، أو تقدّم محتوى تعليمياً وثقافياً لا يراعي السياق المحلي ولا القيم المجتمعية.

من هنا، يصبح إشراك المرأة العربية في حوكمة الذكاء الاصطناعي ضرورة أخلاقية وإنسانية، لا مطلباً رمزياً. فالرؤية النسائية العربية، المستندة إلى خبرة طويلة في مجالات الرعاية والتعليم والعمل المجتمعي، قادرة على إعادة توجيه التكنولوجيا نحو الإنسان، لا العكس.

ما الذي يمكن فعله عربياً الآن؟

الخطوة الأولى هي الاعتراف بأن الغياب الحالي ليس قدراً محتوماً، بل نتيجة خيارات يمكن تغييرها. ويتطلّب ذلك الاستثمار في بناء قدرات النساء العربيات في مجالات الذكاء الاصطناعي والأخلاقيات الرقمية، ودعم مشاركتهن الفعلية في الوفود واللجان الدولية، وربط الجامعات ومراكز البحث بصنّاع القرار، وتمكين المجتمع المدني من أداء دوره المعرفي والرقابي.

كما بات من الضروري التفكير في إنشاء منصّة عربية مستقلة، أو شبكة خبراء عربيات، تُعنى بمتابعة سياسات الذكاء الاصطناعي والمشاركة في صياغتها دولياً، بما ينقلنا من موقع المتلقّي إلى موقع الشريك الفاعل.

حين تشارك النساء العربيات بفاعلية في صياغة سياسات الذكاء الاصطناعي، تصبح التكنولوجيا أكثر عدلاً، والحوكمة أكثر توازناً، والمستقبل الرقمي العربي أقرب إلى قيمه الإنسانية والثقافية. لقد آن الأوان ألا يُكتب هذا المستقبل بغيابنا، بل بمشاركتنا الكاملة، وبصوت المرأة العربية حاضراً في قلب القرار.

---

مراجع مختصرة

• UNESCO (2024). Women for Ethical AI: Outlook Study on Artificial Intelligence and Gender.
• UN Women (2024). Artificial Intelligence and Gender Equality.
• United Nations University (2024). Governing AI for Women’s Empowerment.
• Women at the Table (2025). Multilateral Leadership in AI and Gender Equality.
• Russell

تمت طباعة الخبر في: الأربعاء, 21-يناير-2026 الساعة: 09:20 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: https://sanaanews.net/news-106652.htm