صنعاء نيوز/إيهاب مقبل -
على امتداد قرن كامل، شكّلت القضية الكردية واحدة من أكثر القضايا التي كُشف فيها بوضوح منطق المصالح في السياسة الدولية. فالأكراد، المنتشرون بين العراق وتركيا وإيران وسوريا، وجدوا أنفسهم مرارًا في موقع الحليف المؤقت لقوى كبرى أو إقليمية، تتقاطع مصالحها معهم في لحظة معينة، ثم لا تلبث أن تتخلى عنهم عندما تتغير الحسابات. والنتيجة كانت في معظم الأحيان واحدة: رفع الغطاء السياسي والعسكري، وترك الأكراد في مواجهة مباشرة مع جيوش دولهم.
كرد العراق: ثورة البارزاني واتفاقية الجزائر
في سبعينيات القرن الماضي، خاض أكراد العراق بقيادة الملا مصطفى البارزاني واحدة من أكبر محاولاتهم لفرض واقع سياسي جديد في شمال البلاد. في تلك المرحلة، تلقّت الحركة القومية الكردية دعمًا واسعًا من إيران الشاه وأمريكا الشمالية. لم يكن هذا الدعم نابعًا من إيمان بحقوق الأكراد القومية، بل جاء في سياق صراع إقليمي ودولي هدفه إضعاف العراق وجيشه والضغط على بغداد.
استمر الدعم ما دام يخدم تلك المصالح، لكن ما إن توصّل العراق وإيران إلى اتفاقية الجزائر عام 1975، حتى انهار كل شيء دفعة واحدة. أوقفت طهران دعمها فورًا، وسحبت واشنطن يدها بالكامل، تاركة الأكراد وحدهم في مواجهة الجيش العراقي. خلال أسابيع، انهارت الثورة المزعومة، وتعرّض الأكراد لحملة قمع واسعة ونزوح جماعي، في واحدة من أوضح لحظات التخلي الدولي. لاحقًا، سيعترف مسؤولون أمريكيون بأن "دعم تمرد الأكراد لم يكن التزامًا أخلاقيًا، بل أداة سياسية مؤقتة ضد العراق".
انتفاضة 1991: تشجيع ثم صمت
تكرّر المشهد بعد حرب الخليج الثانية عام 1991. شجّعت واشنطن العراقيين، بمن فيهم الأكراد، على التمرد ضد نظام صدام حسين. استجاب الأكراد ونجحوا سريعًا في السيطرة على مدن واسعة في شمال العراق، معتقدين أن الدعم الأمريكي سيمنع النظام من الرد العسكري.
لكن عندما أعاد الجيش العراقي تنظيم صفوفه وبدأ هجومًا واسعًا، لم تتحرك واشنطن. تُرك الأكراد مجددًا في مواجهة الدبابات والصواريخ، ما أدى إلى موجة نزوح هائلة باتجاه الجبال والحدود. لم يكن التدخل الدولي لاحقًا سوى تدخل إنساني محدود، هدفه احتواء الكارثة لا تغيير المعادلة السياسية. مرة أخرى، ظهر بوضوح أن التشجيع لا يعني الحماية، وأن التحالف لا يعني الالتزام حتى النهاية.
أكراد تركيا: ورقة ضغط بلا حماية
في تركيا، واجه الأكراد تجربة مختلفة في الشكل، لكنها متشابهة في الجوهر. خلال عقود الصراع بين حزب العمال الكردستاني والدولة التركية، استخدمت بعض القوى الدولية الورقة الكردية للضغط السياسي على أنقرة في ملفات حقوق الإنسان أو التوازنات الإقليمية. إلا أن هذا الدعم ظل في إطار الخطاب والضغط الإعلامي، دون أن يتحول إلى حماية فعلية.
عندما شنّ الجيش التركي عمليات عسكرية واسعة في جنوب شرق البلاد أو عبر الحدود، لم يتجاوز الموقف الغربي حدود بيانات القلق. بل إن الدول نفسها التي تحدثت عن حقوق الأكراد صنّفت حزب العمال الكردستاني منظمة إرهابية، وفتحت المجال أمام أنقرة للتحرك بحرية. وهكذا وجد أكراد تركيا أنفسهم مرة أخرى وحدهم أمام آلة الدولة، بلا غطاء دولي حقيقي.
أكراد إيران: وعود تتبخر أمام الحرس الثوري
بعد الثورة الإيرانية عام 1979، اعتقد بعض الأكراد أن التغير الكبير في إيران قد يفتح بابًا لحقوق سياسية أوسع. تلقّت الأحزاب الكردية إشارات دعم غير مباشرة من أطراف خارجية، خاصة في سياق الصراع بين إيران والغرب. لكن هذه الإشارات لم تتجاوز حدود الاستفادة المؤقتة.
عندما قررت طهران حسم الملف بالقوة، واجه الأكراد الجيش الإيراني دون أي تدخل خارجي يُذكر. انتهت التمردات بسرعة، وتبعها قمع شديد وإعدامات، بينما اختفى الدعم الدولي كما لو أنه لم يكن موجودًا أصلًا.
قسد في سوريا: تكرار التاريخ بصيغة جديدة
في التجربة الأحدث، بدت قوات سوريا الديمقراطية "قسد" وكأنها خرجت من هذا النمط التاريخي. فقد حصلت على دعم عسكري وسياسي أمريكي غير مسبوق في إطار الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية "داعش". بدا التحالف متينًا، وترافق مع خطاب يوحي بشراكة طويلة الأمد.
لكن مع هزيمة داعش وتغيّر الأولويات الأمريكية، عاد المشهد القديم. عندما تقدّم الجيش السوري نحو مناطق كانت تحت سيطرة قسد، وعندما تصاعد الضغط التركي، لم تتدخل أمريكا الشمالية. لم تُرسم خطوط حمراء، ولم تُمنع عودة الدولة السورية. عمليًا، رُفع الغطاء، ودُفعت قسد نحو خيار التفاوض أو التسليم التدريجي، في تكرار شبه حرفي لما عاشه الأكراد في تجارب سابقة.
تجربة الأكراد مع الموساد الإسرائيلي
لم تقتصر التجارب مع القوى الكبرى على واشنطن وحدها، بل امتدت إلى جهات أخرى في المنطقة، من بينها تل أبيب. منذ أوائل الستينيات، تعاون الموساد الإسرائيلي مع بعض القيادات الكردية في شمال العراق، من خلال تبادل المعلومات والتدريب وتسليح البيشمركة ضد الحكومة المركزية في بغداد، ضمن سياق الحرب الباردة والتحالفات الإقليمية.
لكن هذا الدعم لم يكن نابعًا من تعاطف مع قضية كردية مستقلة، بل جزء من استراتيجية إسرائيلية قصيرة المدى للاستفادة من قوة محلية في إضعاف الجيش العراقي. ومع تغير أولويات تل أبيب وتحولات العلاقات الإقليمية في السبعينيات وما بعدها، تراجع دور الموساد ولم يتحول إلى تحالف دائم ومستقر، تاركًا الكرد في مواجهة تحدياتهم الأساسية دون أي ضمان حقيقي. تاريخ العلاقة مع الموساد يوضح مرة أخرى أن الدعم الخارجي غالبًا ما يكون مشروطًا بالمصالح الخاصة للطرف الداعم، وليس مبنيًا على التزام طويل الأمد تجاه الأكراد.
الحركات القومية الكردية كأداة مستهلكة في الحسابات الغربية
مع تكرار هذه التجارب، لم يعد الحديث عن "الخذلان" كافيًا. فالحركات القومية الكردية، في نظر أمريكا الشمالية والغرب عمومًا، تحوّلت إلى أداة مؤقتة تُستعمل عند الحاجة ثم يُتخلّى عنها عند انتهاء الدور. وبمرور الوقت، بات هذا الدور يُوصَف، بمرارة شديدة، بأنه استخدام لمرة واحدة: ما دام يخدم الهدف يُمسك به، وعندما تنتهي الوظيفة يُلقى جانبًا، مهما كانت الخسائر.
في هذا المنطق، لا يهم إن بقي من هذه الحركات ثلاثون بالمئة أو أقل أو أكثر. المهم فقط أن تكون المصالح الغربية قد تحققت: خصم أُضعف، توازن فُرض، أو مهمة أُنجزت. بعد ذلك، تصبح القضية الكردية عبئًا لا التزامًا، وتُترك لتواجه مصيرها وحدها.
خلاصة أخيرة: درس الدم والخذلان
بعد كل ما سبق، لم يعد هناك مجال للشك. من يراهن على أمريكا الشمالية أو إسرائيل أو الغرب، يراهن على مظلة تُطوى عند أول صفقة. الدعم لم يكن التزامًا، بل استعمالًا، وعندما تنتهي الحاجة يُرمى الحليف كما يُرمى ما استُهلك ولم يعد له قيمة.
على الحركات الكردية أن تدرك أن الثقة بالغرب ليست مجرد خطأ تكتيكي، بل خطيئة سياسية متكررة. فالقبول بدور الأداة يجعلهم مثل ورق المرحاض في الحسابات الدولية: يُستخدم عند الضرورة، ثم يُلقى عندما تنتهي الوظيفة.
الطريق الوحيد للخروج من هذه الدائرة هو رفض هذا الدور أصلًا: لا تحالف بلا نِدّية، ولا حماية بلا ضمانات، ولا مستقبل يُبنى على وعود الآخرين. والأهم من ذلك، على الأكراد أن يركزوا على الاندماج في البلدان التي يعيشون فيها—تركيا، إيران، العراق، سوريا—والعمل على بناء هذه المجتمعات بدل إضعافها. من لا يتعلّم من هذا التاريخ، سيُعاد استخدامه… ثم يُرمى من جديد.
Mossad Operations - Iraqi Kurdistan
https://www.youtube.com/watch?v=gHItJNijhR0
انتهى
|