صنعاء نيوز - لم تكن عريضة منظمة AVAAZ مجرد حملة إلكترونية عابرة، بل لحظة نادرة بدا فيها أن العالم—ولو لوهلة—يستعيد صوته الأخلاقي.

السبت, 24-يناير-2026
صنعاء نيوز/ بقلم: د. غسان شحرور -


د. حسام أبو صفية
الطبيب الذي بقي واقفًا مع شعبه تحت النار


لم تكن عريضة منظمة AVAAZ مجرد حملة إلكترونية عابرة، بل لحظة نادرة بدا فيها أن العالم—ولو لوهلة—يستعيد صوته الأخلاقي. لحظة وُضع فيها اسم إنسان واحد في مواجهة الركام، فاستعاد الحدث وجهه الحقيقي: طبيب فقد ابنه، وقُصف مستشفاه، ومُنع من الإمدادات التي كان يستخدمها لإنقاذ أطفال يختنقون من الألم، ومع ذلك بقي واقفًا وصادما حتى لحظة اعتقاله.

في تلك اللحظة، لم يعد السؤال: ماذا يحدث في غزة؟ بل أصبح: كيف يسمح العالم باستهداف آخر من تبقّى هناك لإنقاذ الأرواح؟

حين يُستهدف الأطباء، لا تكون الحرب قد تجاوزت القانون فقط، بل تكون قد تخلّت عن أي ادعاء بالإنسانية.

الشاهد الذي أُسكت

فجر السابع والعشرين من ديسمبر/كانون الأول 2024، تقدّم الدكتور حسام أبو صفية، مدير مستشفى كمال عدوان، بزيّه الطبي الأبيض نحو الآليات العسكرية الإسرائيلية التي حاصرت المستشفى. كان ذلك المستشفى آخر منشأة طبية كبرى ما تزال تعمل في شمال غزة. خلال دقائق، اعتُقل دون تهمة أو محاكمة.

وفق القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيف، يتمتع العاملون الصحيون بحماية خاصة، ولا يجوز استهدافهم أو احتجازهم ما داموا يؤدّون مهامهم الطبية. ما جرى مع أبو صفية شكّل انتهاكًا مباشرًا لهذا المبدأ، كما أكدت تقارير صادرة عن الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية مستقلة.

لكن خطورة اعتقاله لا تكمن فقط في صفته كطبيب، بل في كونه آخر شاهد حيّ على الانهيار شبه الكامل للنظام الصحي في شمال غزة. كان يزوّد المنظمات الدولية ببيانات دقيقة حول النواقص الطبية—بحسب ما وثقته منظمة الصحة العالمية—ويقود غرف التغذية العلاجية، ويوسّع القدرة الاستيعابية للمستشفى رغم القصف. وجوده كان يعني أن الحقيقة ما تزال تُوثَّق؛ وغيابه يعني أن الشاهد الأخير قد أُسكت.


قصة إنسانية لا تختزلها التقارير

لأشهر طويلة، عاش أبو صفية مع زوجته الكازاخستانية وأطفاله داخل المستشفى، تحت القصف المتواصل. في السادس والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول 2024، فقد ابنه إبراهيم في قصف استهدف محيط المستشفى، وأُصيب هو نفسه لاحقًا. ورغم جراحه، أصرّ على أداء صلاة الجنازة على ابنه وسط زملائه، فيما كانت أصوات الانفجارات تتردّد في الخلفية، وباقي أنحاء غزة.

ورغم إتاحة فرص لمغادرة المنطقة، رفض الخروج. لم يشأ أن يترك مرضاه وشعبه في لحظة كانوا فيها بأمسّ الحاجة إليه. هذه التفاصيل الإنسانية—التي كثيرًا ما تغيب عن التقارير الحقوقية الجافة—تكشف جوهر القضية: لم يكن أبو صفية مجرد مدير مستشفى، بل خط الدفاع الأخير عن الحياة والصحة في منطقة تُركت بلا حماية.

اعتقال بلا تهمة… وتعذيب موثّق

بعد اقتحام المستشفى وإخلائه قسرًا، نُقل أبو صفية إلى مركز "سديه تيمان" في صحراء النقب، ثم إلى سجن "عوفر"، حيث احتُجز بموجب قانون “المقاتل غير الشرعي”. يتيح هذا القانون الاعتقال الإداري دون تهمة أو محاكمة، مع قيود صارمة على الوصول إلى محامٍ والرعاية الصحية.

بحسب إفادات محاميته وتقارير منظمات حقوقية مستقلة، فقد نحو أربعين كيلوغرامًا من وزنه، وتعرّض للضرب وسوء المعاملة، واحتُجز في زنازين عزل تحت الأرض، مع حرمانه من العلاج الطبي. وفي فبراير/شباط 2025، ظهر للمرة الأولى في تسجيل بثّته وسائل إعلام إسرائيلية وهو مقيّد داخل السجن، في مشهد أثار موجة تنديد دولية واعتُبر شكلًا من أشكال الإذلال المتعمّد.

قضية فردية تكشف نهجاً

قضية الدكتور حسام أبو صفية ليست حادثًا معزولًا، بل جزء من نمط موثّق دوليًا لاستهداف القطاع الصحي في غزة. فبحسب تقارير منظمة الصحة العالمية، جرى تدمير أو تعطيل أكثر من 70% من البنية الصحية، واستُهدفت المستشفيات وسيارات الإسعاف مرارًا، وقُتل أكثر من 1500 من العاملين الصحيين، واعتُقل عشرات الأطباء والمسعفين، توفي بعضهم داخل مراكز الاحتجاز.

هذا النمط لا يدمّر النظام الصحي فحسب، بل يدمّر الذاكرة الطبية، ويستهدف الشهود القادرين على إنقاذ الأرواح، ويقوّض أحد أقدم المبادئ التي قام عليها القانون الدولي الإنساني.

من غزة إلى العالم

أثارت قضية أبو صفية ردود فعل واسعة في الأوساط الطبية والحقوقية حول العالم. أصدرت نقابات أطباء في أوروبا وأمريكا الشمالية بيانات تطالب بالإفراج عنه، وناقشت جامعات طبية مرموقة قضيته ضمن ندوات حول حماية العاملين الصحيين في النزاعات المسلحة. كما طُرحت أسئلة رسمية في عدد من البرلمانات حول ظروف احتجازه.

لم تعد القضية محصورة في سياق محلي، بل تحوّلت إلى اختبار عالمي لمصداقية حماية الطواقم الطبية.

لحظة شخصية في قلب هذا الامتداد

خلال إحدى جولاتي قرب البيت الأبيض قبل أشهر، استوقفتني صورة الدكتور حسام أبو صفية مرفوعة على لافتة احتجاجية يديرها متضامنون أميركيون. تحدثت إليهم، ولاحظت كيف وصلت قصته إلى قلب واشنطن، بعيدًا عن الجغرافيا والسياسة، كقضية إنسانية خالصة. كانت تلك اللحظة تذكيرًا بأن الألم لا حدود له، وأن صوت الضحايا قادر على عبور المسافات حين يجد من يحمله بصدق.

لماذا يجب أن نهتم؟

لأن استهداف العاملين الصحيين ليس انتهاكًا عابرًا، بل ضربة لأساس الإنسانية نفسها. ولأن اعتقال أبو صفية ليس مجرد احتجاز فردي، بل محاولة لإسكات آخر صوت كان يروي للعالم ما يحدث داخل المستشفيات المحاصَرة. ولأن حماية الأطباء ليست قضية فلسطينية فحسب، بل مبدأ عالمي: إذا سقط في غزة، سيسقط في كل نزاع لاحق.

خاتمة

قضية الدكتور حسام أبو صفية ليست قصة طبيب فقط، بل سؤال معلّق فوق ضمير العالم: ماذا يبقى من إنسانيتنا حين يُستهدف من يحمي الحياة؟

حين يُعتقل آخر شاهد على الألم، لا يعود الخطر مقتصرًا على غزة وحدها، بل يطال الفكرة التي بُني عليها القانون الدولي الإنساني نفسه. إن حماية الأطباء ليست تفصيلًا قانونيًا، بل الحدّ الأدنى الذي يثبت أننا ما زلنا قادرين على التمييز بين الحرب والوحشية.

تمت طباعة الخبر في: السبت, 24-يناير-2026 الساعة: 08:54 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: https://sanaanews.net/news-106693.htm