صنعاء نيوز - بعد مرور عدة أشهر على زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو، لم تعد الصور واللقاءات بحد ذاتها هي محور النقاش، بل الدلالات السياسية

الأحد, 25-يناير-2026
صنعاء نيوز/ إيهاب مقبل -


بعد مرور عدة أشهر على زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو، لم تعد الصور واللقاءات بحد ذاتها هي محور النقاش، بل الدلالات السياسية الأعمق التي حملتها. كثير من المراقبين لاحظوا أن طريقة تعامل القيادة الروسية مع الشرع بدت مختلفة، وربما أرقى سياسيًا، من الأسلوب الذي اعتادت عليه مع بشار الأسد على مدى سنوات. هذا الاختلاف، حتى إن لم يُعلن صراحة، فتح باب المقارنة بين مرحلتين، ورئيسين، ونوعين من العلاقات مع الكرملين.

من التبعية إلى الواقعية السياسية
في عهد بشار الأسد، كانت العلاقة بين دمشق وموسكو قائمة على معادلة غير متكافئة. روسيا تدخلت عسكريًا في لحظة مفصلية، وأصبح النظام السوري مدينًا لها بالبقاء في دمشق. هذا الواقع انعكس على شكل العلاقة: لقاءات سريعة، خطاب روسي توجيهي، وإيحاء دائم بأن القرار النهائي ليس في دمشق.

في المقابل، بدا التعامل مع أحمد الشرع أقرب إلى الواقعية السياسية. موسكو لم تتعامل معه بوصفه حليفًا صنعتْه، بل بوصفه سلطة قائمة فرضت نفسها عبر مسار معقد. هذا الفارق الجوهري هو ما يفسر نبرة الاحترام الظاهري: ليس تعبيرًا عن تقارب أيديولوجي، بل اعتراف بواقع جديد لا تملك روسيا تجاهله.

البروتوكول كلغة سياسية
الكرملين بارع في استخدام التفاصيل الصغيرة لإيصال رسائل كبيرة. في سنوات الأسد، كان البروتوكول الروسي يعكس بوضوح موقعه كطرف أضعف: انتظار، لقاءات مقتضبة، وغياب أي إيحاء بالشراكة المتكافئة. أما في زيارة الشرع، فقد قرأ كثيرون في شكل الاستقبال وحديث «المصالح المشتركة» رسالة مختلفة: موسكو تريد أن تظهر أنها تحاور لا تملي.

هذا لا يعني انقلابًا في المواقف الروسية، بل استخدامًا محسوبًا للغة البروتوكول لإعادة تموضع سياسي بعد تغير المعطيات على الأرض.

الاحترام كأداة لا كموقف أخلاقي
من المهم فهم أن احترام بوتين، أو أي زعيم روسي، ليس مسألة شخصية أو أخلاقية. هو احترام مرتبط بالقدرة على الصمود، وامتلاك بدائل، وفرض الذات كلاعب لا يمكن تجاوزه. الأسد، في سنواته الأخيرة، فقد معظم هذه العناصر، فباتت علاقته بروسيا أقرب إلى علاقة «الملف» لا «الشريك».

أما الشرع، فقد دخل موسكو وهو يحمل ورقة مختلفة: سلطة جديدة، شبكة علاقات إقليمية محتملة، وإمكانية فتح أو إغلاق مسارات مستقبلية لروسيا في سوريا. هذا ما جعل الاحترام ضرورة سياسية، لا خيارًا.

قسد وحدود «الضوء الأصفر» الروسي
في هذا السياق، يبرز اليوم سؤال جوهري: هل سمحت روسيا للشرع بالتحرك عسكريًا ضد قوات سوريا الديمقراطية (قسد)؟ القراءة الأقرب للواقع أن موسكو لم تمنح ضوءًا أخضر صريحًا، لكنها في الوقت نفسه لم ترفع بطاقة حمراء. ما جرى، كما أظهرت المعارك الأخيرة، يندرج ضمن سياسة روسية قديمة تقوم على غضّ النظر عن ضغطٍ محدود ومدروس، لا عن حرب شاملة، خصوصًا حين يحقق هذا الضغط نتائج ملموسة على الأرض.

روسيا لا ترى في قسد أو القوى الكردية حلفاء موثوقين على الأرض، بل ورقة أمريكية مؤقتة لاضعاف دمشق وبغداد. هذا الموقف عبّر عنه بوضوح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في أكثر من مناسبة، حين قال إن «الولايات المتحدة تسيطر على قوات سوريا الديمقراطية في شمال شرق سوريا، وتعمل على تعزيز النزعات الانفصالية هناك بكل الوسائل الممكنة»، معتبرًا أن هذا النهج لم يتغير منذ الإدارات الأمريكية السابقة. من هذا المنظور، لا تنظر موسكو إلى إضعاف قسد بوصفه تهديدًا للاستقرار بقدر ما تراه تقليصًا لخطر تقسيمي تدعمه واشنطن.

نجاح القوات التابعة للشرع وسوريا في تحقيق مكاسب ميدانية واضحة ضد قسد في المعارك الأخيرة أضاف عاملًا جديدًا إلى الحسابات الروسية. فموسكو تميل إلى احترام من يفرض وقائع على الأرض من دون الانجرار إلى فوضى شاملة أو استفزاز مباشر لأمريكا الشمالية. هذه النتائج عززت، على ما يبدو، نظرة روسيا إلى الشرع بوصفه قادرًا على إدارة القوة ضمن حدود سياسية محسوبة، وهو ما انعكس في ارتفاع منسوب الاحترام الروسي للدولة السورية الجديدة، لا للشخص وحده.

وهنا يبرز الفارق مع مرحلة بشار الأسد. فروسيا، طوال سنوات، امتنعت عن منح الأسد أي هامش مشابه لمهاجمة قسد، لا حرصًا عليها، بل لغياب الثقة السياسية والعسكرية به. في نظر الكرملين، كان الأسد طرفًا ضعيفًا يعتمد كليًا على الدعم الروسي، وأي مغامرة عسكرية غير محسوبة منه كانت تحمل خطر جرّ موسكو نفسها إلى مواجهة مباشرة مع أمريكا الشمالية بسبب قرار لا تسيطر على مساره.

كما استخدمت موسكو ملف قسد آنذاك كورقة ضغط على الأسد نفسه. بقاء جزء من الجغرافيا خارج سيطرته الكاملة كان وسيلة لإبقائه محتاجًا للدعم الروسي، وللتأكيد أن استعادة السيادة لا تمر عبر قرارات منفردة بل عبر موسكو. أضف إلى ذلك أن أي هجوم محتمل كان يُخشى أن يفشل عسكريًا، فيُحسب الإخفاق على روسيا بقدر ما يُحسب على النظام، وهو ما لم تكن مستعدة لتحمّله.

لكن هذا «الضوء الأصفر» الممنوح اليوم يبقى مشروطًا. فروسيا لا تقبل بانفلات واسع، ولا بتغيير جذري في ميزان القوى شرق الفرات، ولا بأي خطوة قد تستجلب تصعيدًا أمريكيًا مباشرًا. من هنا، يصبح التحرك ضد قسد اختبارًا مزدوجًا: لموقع دمشق الجديد، ولحدود التسامح الروسي.

بعد أشهر… ماذا بقي من المشهد؟
مع مرور الوقت، خفت وهج الزيارة، وبات واضحًا أن الاحترام الذي أظهرته موسكو لم يكن شيكًا على بياض. لم تظهر تحولات جذرية في السياسات الروسية، ولا تنازلات كبرى، ما يؤكد أن ما جرى كان أقرب إلى إعادة ضبط العلاقة لا إعادة بنائها من الصفر.

ومع ذلك، يبقى الفارق قائمًا: روسيا تتعامل مع الشرع بحذر واحترام محسوب، بينما كانت تتعامل مع الأسد بثقة المتحكم. هذا التحول، حتى لو كان محدودًا، يعكس تغيرًا في موقع سوريا داخل الحسابات الروسية.

خاتمة: احترام بلا أوهام
الفرق بين احترام روسيا للشرع وتعاملها السابق مع الأسد لا يكمن في النوايا، بل في توازن القوى. موسكو تحترم من لا يمكنها تجاوزه، وتضغط على من لا يملك خيارات. وبعد أشهر من الزيارة، يتضح أن هذا الاحترام هو أداة سياسية قابلة للزيادة أو التراجع، بحسب ما تستطيع سوريا الجديدة تثبيته على الأرض وفي الإقليم.

فالاحترام الروسي، في نهاية المطاف، ليس مكافأة على الماضي، بل رهانًا على الحاضر، واختبارًا للمستقبل.

انتهى
تمت طباعة الخبر في: الأحد, 25-يناير-2026 الساعة: 08:30 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: https://sanaanews.net/news-106707.htm