صنعاء نيوز - عند مقارنة حكم نوري المالكي بحكم محمد شياع السوداني، لا يكفي التوقف عند الخطاب السياسي أو المواقف الإعلامية

السبت, 31-يناير-2026
صنعاء نيوز/إيهاب مقبل -



عند مقارنة حكم نوري المالكي بحكم محمد شياع السوداني، لا يكفي التوقف عند الخطاب السياسي أو المواقف الإعلامية، بل لا بد من التعمق في طريقة إدارة الدولة وأولويات السلطة والخدمات. صحيح أن الرجلين حكما في ظل النظام السياسي نفسه، القائم على المحاصصة والتوازنات الحزبية، إلا أن الفارق بينهما يكمن في كيفية التعامل مع هذا الواقع، لا في إنكاره أو الاصطدام به.

حكم نوري المالكي: تركيز السلطة وتغليب الصراع على الدولة
تميّزت مرحلة حكم نوري المالكي، خصوصًا في ولايته الثانية، بتركيز كبير للسلطة بيد رئيس الوزراء، على حساب بقية المؤسسات. توسّع النفوذ التنفيذي، وتداخلت السياسة بالأمن والقضاء والإدارة، ما خلق حالة احتقان سياسي وطائفي عميق وأضعف الثقة داخل النظام نفسه. الدولة في تلك المرحلة أُديرت بعقلية الصراع لا الاحتواء، وبمنطق تثبيت السلطة أكثر من بناء التوازن.

ورغم أن العراق شهد في تلك الفترة وفرة مالية غير مسبوقة نتيجة ارتفاع أسعار النفط، فإن هذه الموارد لم تُترجم إلى بنية تحتية راسخة أو تحسن ملموس في الخدمات الأساسية. بقيت أزمة الكهرباء قائمة، وتعطلت مشاريع الإسكان، وتدهورت شبكات الماء والصرف الصحي، في وقت كانت فيه الدولة تملك فرصة تاريخية للبناء لم تُستثمر.

الخدمات في عهد المالكي: فرص مهدورة وإدارة بلا رؤية
ملف الخدمات خلال حكم المالكي يعكس بوضوح طبيعة تلك المرحلة. غابت الرؤية التنموية طويلة الأمد، وحضرت المعالجات المؤقتة والقرارات المتأخرة. مشاريع البناء إما محدودة أو متعثرة، والمتابعة ضعيفة، والفساد حاضر بقوة. توسعت المدن عشوائيًا، ولم تواكب البنية التحتية النمو السكاني، ما جعل المواطن يشعر بأن الدولة بعيدة عن احتياجاته اليومية رغم الإمكانات المالية الكبيرة.

حكم محمد شياع السوداني: إدارة واقعية ومحاولة لاستعادة الدولة
في المقابل، جاء محمد شياع السوداني إلى الحكم في ظرف سياسي واقتصادي أكثر تعقيدًا، وبمساحة حركة أضيق بكثير مما كان متاحًا لأسلافه. ومع ذلك، اختار أسلوبًا مختلفًا، قائمًا على الإدارة الهادئة والواقعية بدل الصدام، وعلى احتواء الأزمات بدل توسيعها.

لم يطرح السوداني نفسه قائدًا لمشروع سياسي كبير، بل رئيس حكومة يسعى لإعادة تفعيل الدولة ضمن الممكن. هذا الخيار، وإن بدا أقل طموحًا، إلا أنه كان أكثر انسجامًا مع واقع بلد منهك من الصراعات.

الخدمات في عهد السوداني: أولوية واضحة رغم القيود
جعل السوداني ملف الخدمات والبناء في صلب عمل حكومته. شهدت البلاد نشاطًا أوضح في مشاريع الطرق والجسور، وتأهيل المدارس والمستشفيات، وتحسين الخدمات البلدية في عدد من المحافظات. كما اتُّخذت خطوات عملية لمعالجة ملفات الكهرباء والماء، ولو بشكل تدريجي، مع الاعتراف الصريح بأن الحلول الجذرية تحتاج وقتًا وإصلاحات أعمق.

الفرق هنا ليس في الكمال، بل في تغيير ترتيب الأولويات. فبينما كانت الخدمات في عهد المالكي ملفًا ثانويًا مؤجّلًا، أصبحت في عهد السوداني أداة أساسية لتهدئة الشارع واستعادة قدر من الثقة بين المواطن والدولة.

الخلفية العلمية وانعكاسها على أسلوب الحكم
يساعد التحصيل العلمي لكلٍ من المالكي والسوداني على فهم جانب من هذا الاختلاف في الأداء. فالمالكي يحمل شهادة البكالوريوس والماجستير في اللغة العربية، وهو تكوين أدبي–فكري انعكس على حضوره السياسي القائم على الخطاب والتأطير الأيديولوجي وإدارة الصراع داخل النظام. هذا التكوين لا يُنتقص منه، لكنه ساهم في تغليب المنطق الفلسفي على المنطق التنفيذي في إدارة الدولة.

في المقابل، يحمل محمد شياع السوداني شهادة البكالوريوس في العلوم الزراعية، إضافة إلى ماجستير في إدارة المشاريع، وهو تكوين أقرب إلى العمل التنفيذي والتخطيط الإداري. هذا الفارق ظهر في طريقة تعاطيه مع السلطة، إذ تعامل مع رئاسة الحكومة بوصفها مهمة إدارة ملفات وأزمات، لا ساحة صراع سياسي، ما انعكس على تركيزه على المتابعة الميدانية وتنفيذ المشاريع ضمن حدود الواقع.

النظام واحد… لكن إدارة الخسائر مختلفة
صحيح أن النظام السياسي نفسه لم يتغير، وأن المحاصصة ما زالت تقيد القرار وتؤثر في توزيع المشاريع، إلا أن الفرق بين الرجلين يظهر في طريقة التعامل مع هذا السقف. المالكي دفع النظام إلى أقصى حدوده، ففاقم الانقسامات وأهدر الفرص. أما السوداني، فيحاول إدارة النظام بأقل قدر من الخسائر، وتخفيف كلفته على المجتمع، حتى وإن لم يملك القدرة على تغييره جذريًا.

الخلاصة: تفضيل الأداء لا تبرئة النظام
المقارنة بين حكم نوري المالكي ومحمد شياع السوداني، سياسيًا وخدميًا، لا تهدف إلى تبرئة أحد أو شيطنة آخر، لكنها تُظهر بوضوح أن أسلوب الإدارة يصنع فرقًا حتى داخل نظام معطوب. المالكي مثّل مرحلة ضاعت فيها فرص كبيرة بسبب الصراع وتركيز السلطة. السوداني يمثل محاولة أكثر هدوءًا وعقلانية لإعادة الاعتبار لوظيفة الدولة، ولو بحدودها الدنيا.

ومع ذلك، يبقى الحكم النهائي مرهونًا بتغيير قواعد اللعبة نفسها. فطالما بقي النظام على حاله، سيظل أي رئيس وزراء، مهما حسنت نواياه أو تحسن أداؤه، محكومًا بسقف منخفض من الإنجاز. الفرق أن السوداني يحاول البناء تحته، بينما كُسرت خلال مرحلة المالكي أعمدة كثيرة من الدولة نفسها.

انتهى
تمت طباعة الخبر في: السبت, 31-يناير-2026 الساعة: 06:00 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: https://sanaanews.net/news-106811.htm