صنعاء نيوز/حسين نعمة الكرعاوي -
أعترف، كنت صامتًا، لا لأن الكلمات عاجزة، بل لأن الصمت صار مرآتي، فيه وجع لم يُسمع، ونزف لم يُرَ، وفراغ يبتلع الإنسان كما تبتلع المدن الخالية سكانها في منتصف الليل، لم يكن الصمت حيادًا، بل مساحة أختبئ فيها من نفسي أكثر مما أختبئ من العالم، لفترة طويلة أقنعت نفسي أن الاحتمال فضيلة، وأن الصبر مدرسة، وأن النزف الصامت شجاعة، وتمسّكت بهذه الأفكار لأبقى حاضرًا في صور الآخرين، متماسكًا في عيونهم، بينما كنت أختفي داخلي كظل يقف خلف جدار يرى كل شيء ولا يُرى، كم مرة دفعت ثمن إنسانيتي لأبدو صلبًا؟ وكم مرة غصت في نار التحمل حتى صرت لهبًا يحترق بلا صوت؟ كنت أظن أن القوة تعني ألا أسقط، ولم أدرك أنني كنت أسقط ببطء وأنا واقف.
لم أطلب المساعدة، لا لأنني لا أحتاجها، بل لأن الضعف بدا لي جريمة، وكان الاعتراف بالتعب يشبه القفز في هاوية بلا ضمانات، فاخترت الصمت واخترت التحمل، واخترت أن أغدر بنفسي باسم الثبات، غيّرت شكل الحقيقة داخلي كما يغيّر النهر مجراه، لطّفت القسوة وأقنعت قلبي أن الرضوخ وعي، وأن الألم مؤقت، لكنه طال حتى صار جزءًا مني، وصار الشيء الوحيد الذي يعرفني في مرايا الصباح البارد، وها أنا أطرح السؤال الآن بعد أن أنهكني الصبر المستعار: إلى متى سيكون الصمت انتصارًا وهميًا؟ وإلى متى سأختبئ خلف التحمل كما يختبئ الدخان في سقف غرفة خاوية؟ أسئلة لم أهرب منها هذه المرة.
أدركت أن بعض النجاحات لم تستحق هذا النزف، وأن بعض التجارب لم تعلّمني سوى الصبر على نفسي، حتى صرت صدىً يتردد في أروقة الوجع، استمرارًا بلا معنى، حضورًا بلا روح، وأعترف أكثر، كنت أستطيع التوقف، لكنني لم أفعل، لأنني لم أعرف من أكون خارج هذا الألم، ولأن الألم وحده كان يثبت أنني حي، كظل يمشي فوق أرض محترقة، الآن أفهم أن القوة ليست في التحمل، ولا في صبر يقتل الروح بصمت، بل في الاعتراف بأنك إنسان، في أن تسمح لنفسك بالانكسار وبقول الحقيقة، حتى لو انهار كل ما حولك، فالصمت الذي لا ينقذك ليس حكمة، والبقاء في المشهد لا يساوي الوجود، والوجود الحقيقي يبدأ حين تسمح لنفسك أن تكون كما أنت، بضعفك وصدقك ووجعك الكامل، مثل زهرة تنمو بين شقوق صخرة سوداء.
|