صنعاء نيوز - 
بعد أن استكملت موجزاً عن المراحل التاريخية لليمن الواحد عبر التاريخ، رداً على من ينكر ذاته، وينكر وطنه، وينكر يمنيته وهويته

السبت, 07-فبراير-2026
صنعاء نيوز/ بقلم/ يحيى حسين العرشي -

بعد أن استكملت موجزاً عن المراحل التاريخية لليمن الواحد عبر التاريخ، رداً على من ينكر ذاته، وينكر وطنه، وينكر يمنيته وهويته ، طمعاً في مصلحة، وارتزاقاً وعمالةً واضحة، لم أجد مثيلاً له في بلدان عربية أخرى من المشرق الذي نحن منه، والمغرب الذي عشت فيه لما يقرب من عشر سنوات، وأتذكر وأنا سفير في المغرب و تونس و موريتانيا، أنني لم أجد شخصاً واحداً لا يستفزه ما ينال من وطنه بكل ما فيه، يدافع عنه في كل الأحوال، إنهم يحبونه بل يعشقونه، بينما في اليمن نتسابق على خروجنا من الانتماء إليه، ونمعن في التنكر له، والتنصل منه، أما محبتنا له وحرصنا على سلامته وسيادته، فلم تكن في المستوى المطلوب للأغلب منا.

صحيح أن كل الجنوب العربي وإلى عهد ليس ببعيد، هو اليمن الكبير، وعمان وحتى نجد والحجاز، وبقي لنا اليمن الواحد على ما هو عليه منذ عهد قريب، وكما هو عليه الآن، ومع ذلك يستكثره بعضنا، ويبيع في رصيف العمالة ما تيسر له من أراضيه وبحره وسمائه.
لقد سرني التفاعل الكبير مع ما نشرته عن الجانب التاريخي لليمن الواحد، إما بالمشاركة أو المداخلة والتعليقات أو الإعجاب، فلكل من شارك وتفاعل بالغ تقديري وجزيل شكري.

كما سرني أننا نشترك في رؤية الواقع والصورة أمام أعيننا، إلى ما حدث في عدن والمحافظات في جنوب الوطن وما يزال، إنه اغتصاب كامل، ورأينا منه ما رأينا من فعل السرطان الإماراتي، من سجون وتعذيب، والبيع والشراء للأجساد والأرواح، إن ما تشهده الكثير من مناطق اليمن من هذه الصور البشعة، وأخبار الاختطافات للأفراد من بين أسرهم ومن غرف نومهم، لوضعهم في سجون مغلقة، وزنازين مظلمة، لا يستطيعون حتى الاتصال بأسرهم، مرضى بين الحياة والموت، يقبعون فيها لأشهر وسنوات، لم يسبق لليمن أن اعتادت ذلك، لا في عهد الأئمة ولا في عهد الاستعمار، علاوةً على ذلك نهب الثروات من النفط والغاز، وأشجار سقطرى التي انتزعت من جذورها إلى حيث لا ندري، أقدام ضباط إسرائيليين في سقطرى والمخا وميون وباب المندب، حضور مذهبي متطرف في المحافظات الشمالية، يزيد من الشتات الفكري والسياسي.

إن كل ما هو في الجنوب والشمال تنصلٌ من دولة اليمن ودستورها وقوانينها، فماذا ننتظر بعد ذلك، بعد مضي أكثر من أربعة عشر عاماً من الزمن، والمواطن الأعزل يستغيث لإنقاذه من الغرق في مستنقعات الجوع والمرض والخوف، وانعدام الأمن والأمان.
لذلك فمن حقنا ومن واجبنا أن نقرأ السيناريو الجديد للمرحلة الجديدة..
لقد أحسنت السعودية بتأجيل الحوار الجنوبي الجنوبي اليمني إلى ما بعد أشهر.
لقد كان الاستعجال فيما حدث في الرياض من حوار ومشاهد انفصالية صادمة لكل أبناء الشعب اليمني، علينا كيمنيين وعلى السعودية أن نعترف بأنه لا مناص من الترابط بين البلدين والشعبين شئنا أم أبينا، بفعل الجغرافيا، وبفعل الترابط بين الشعبين، ولنا أن نتذكر منعطفات الماضي في الشأن اليمني السعودي، أليس ما حدث في عهد الإمام يحيى مع الملك عبد العزيز واضحاً وجلياً بما اختُتمت به الحرب بين البلدين بما تم التوصل إليه والتوقيع عليه عام 1934م، حتى وإن كان مجحفاً بحق اليمن إجحافاً كبيراً (جيزان ونجران وعسير)، لكنه أوقف الحرب، وكذلك ما حدث في سبتمبر 1962م وحتى عام 1970م، وكيف كان الموقف السعودي المتصلب والداعم للملكيين بالمال والسلاح، حتى اقتنع الملك فيصل والرئيس الإرياني بأن المصالحة مع اليمن هي الأجدر والأجدى للبلدين، وقالت السعودية لمن كانت تدعمهم، لكم الحقوق والمصالح الشخصية، منهية دورهم السياسي.

لكنه منذ ذلك التاريخ حدثت الأخطاء الجسيمة من الجانبين، في الاعتماد على النفوس الضعيفة لكسب المال والوجاهة والحضور والكرسي على حساب الوطن ومصالح الشعبين وطهارة العلاقات الثنائية، كان ذلك قبل استعادة وحدة الوطن، ولما تم للوطن اليمني استعادة وحدته في 22 مايو 1990م، أخطأت السعودية مجدداً في فهم هذا الإنجاز العظيم، وكأنه انكسار لها، يجب مواجهته بكل ما أمكنها في الوقت المناسب، دون أن تعي بأن وحدة اليمن خيرٌ ومصلحةٌ لها، والنظر في موضوع الحدود معها والبت فيه، كما أخطأت السعودية حين دعمت محاولة الانفصال بالمال الكثير والسلاح والعتاد، ورغم ذلك بقي اليمن موحداً بما قدمه أبناؤه من تضحيات كبيرة من أجل المحافظة عليه في وجه التدخل السعودي والإماراتي والكويتي، وبقيت عُمان وقطر مع وحدة اليمن.

ألم تكن وحدة اليمن واستقراره خيراً للسعودية بما تم الاتفاق عليه في اتفاق جدة عام 2000م، في عهد الملك عبد الله والرئيس علي عبد الله صالح، ورغم ما تضمنه من إجحاف ثانٍ في الأراضي اليمنية ومياهنا الإقليمية، بل واستُبعد اليمن من حقه في الربع الخالي كاملاً، إذ كان كله تابعاً لليمن وفقاً للجغرافيا والتاريخ، والوجود العثماني والاستعمار البريطاني شاهدان على ذلك، ورغم ذلك فقد كان اتفاقاً موثقاً ومرعياً في سياسة البلدين، وكان المفترض أن تتحول العلاقة الثنائية ندِّية بين دولة ودولة، وإيقاف التدخل في شؤون اليمن بعلاقة السعودية بأشخاص وفئات، وإغلاق ملف اللجنة الخاصة الشهيرة، ولكن ذلك لم يحدث مع الأسف، وبقي الحال كما كان عليه مع تخفيض جزئي في المخصصات الفردية.

مضت الأعوام وانفجرت الأحداث في اليمن كما حصل في بعض البلدان العربية عام 2011م، وللأحداث ما يبررها وطنياً، وهو أمر متروك للتاريخ وللباحثين، وما يهمنا في هذا أن السعودية لم تحسن تعاملها مع الأحداث لإنقاذ اليمن بحيادية من كل الأطراف المعنية، بما يتناسب مع خشيتها من العدوى أن تنتقل من صنعاء إلى الرياض بعد تونس وليبيا وسوريا ومصر، وكان للسعودية حساباتها الخاصة الخاطئة بفرض المبادرة الخليجية في 2011م، والتي رحبت بها اليمن مضطرةً، للخلاص من دائرة الحرب التي تداخل فيها هدف التوريث، وهدف الانتقام، وهدف الاستيلاء على السلطة، وهدف الخوف من كل ذلك، ولم يشفع لنا مؤتمر الحوار ومخرجاته، رغم أهميتها وطنياً، والقبول بها، وإمكانية تطبيقها على أرض الواقع بالقليل من المصاعب والتجاوزات.
ثم كان الخطأ السعودي الأبرز وضوحاً بدعمها لما فعله القادم من بعيد، لدعم موروث سياسي مذهبي في اليمن، ليكون له حضوره وبما هو عليه، ولا تستطيع السعودية إنكار ذلك.
لقد وقعت السعودية بذلك في حسابات خاطئة أيضاً، لم تدرك أبعادها ونتائجها عليها وعلى اليمن، وعلى المنطقة، حتى تحولت اليمن إلى موطئ أقدام عربية وغير عربية، وحضرت الأطماع وحضر النفوذ، مما شكل خطورةً ليس على اليمن فحسب، بل على السعودية ذاتها، وهو الحاصل اليوم خاصة وقد تداخل الوضع مع الأطماع الإسرائيلية مباشرةً، وهو أمر لا لبس فيه، كما أن اليمن لن يستقر به الحال، إلا بتأمين صنعاء مركزاً سياسياً لكل ما سواها.

لنقل ولنفترض ولنأمل أن قناعة السعودية اليوم هي رعاية حقيقية لتوافق وطني شامل لليمن، من خلال رعايتها لحوار شامل وبحيادية معلنة، لتكن مخرجات الحوار هي خطة الطريق لإعادة دولة اليمن ودستورها وقوانينها، لإعادة كيان الجمهورية اليمنية مستقلاً موحداً، إن ذلك سيمثل صحوة ضمير، وتطوراً إيجابياً في العلاقات الثنائية بين البلدين، وسيكون محل تقدير كبير لدى كل اليمنيين، وسيحسب تاريخياً للمملكة العربية السعودية، ولملكها سلمان وولي عهده الأمير الشاب محمد بن سلمان، الذي يتطلع لإعادة صياغة الواقع والتاريخ السعودي، كما أنه يتوق لأن يكون عام 2030م منعطفاً بالغ الأهمية للسعودية، ومعطياتها التنموية، ولعلاقاتها العربية والدولية، وسيكون قراءةً سعودية جديدة لوصية الملك عبد العزيز (خيركم وشركم من اليمن) وهو ما كنت ألمسه شخصياً مباشرةً كمبعوث رئاسي إلى كل من الملوك خالد وفهد وعبد الله، ولما كنت ألمسه كذلك أثناء عضويتي في المجلس اليمني السعودي المشترك برئاسة الأمير سلطان بن عبد العزيز، وهو ما شاهدته وسمعته وأنا سفير في قطر عام 2003م، عن معارضة السعودية لانضمام اليمن إلى مجلس التعاون الخليجي بحجج واهية، رغم أن اليمن عمق الخليج جغرافياً وتاريخياً، كل ذلك وغيره ، هو ما يجعلني أؤكد اليوم، أن استقرار اليمن وتطوره إنما هو خير للسعودية وليس العكس بقراءتهم السابقة لوصية الملك عبد العزيز، والمثل العربي يقول (الجار وإن جار) و(الجار قبل الدار)، ومعطيات الواقع اليوم غير الأمس لشرق أوسطي مخطط له سينالهم كما نال الجميع.

هذا ما نأمله ونرجوه وننتظره، لنتمكن من إسدال الستار على علاقة مشوهة لعلاقات يفترض أن تكون نظيفة طيبة، وليتمكن اليمن من الخروج من معاناته وحاجته، وليكون ذلك مصدر محبة ووئام لأشقائه ولجيرانه ولإخوانه في العروبة والإسلام، ومن أجل مصالح دولية متبادلة وفقاً للعهود والمواثيق المرعية دون تدخل في شئوننا تحت أي مبرر كان، لأمن البحر الأحمر والعربي والمحيط الهندي، ولأمن أشقائنا في عمان وحتى إيران.
ولا شك أن موقف الرئيسين التركي والمصري المعلن مؤخراً لدعم السعودية في إيجاد الحل لموضوع اليمن بما يحافظ على وحدته الوطنية، سيكون عوناً للدور السعودي المنتظر.
شهر مبارك على الجميع، ومن الله حسن الختام.

* عضـــو مجلس الشــــــورى
وزير سابق للوحدة والثقافة والإعلام
تمت طباعة الخبر في: السبت, 07-فبراير-2026 الساعة: 03:51 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: https://sanaanews.net/news-106919.htm