صنعاء نيوز/محمد العزيزي -
منذ أكثر من شهر وأنا أرصد وأتابع التحولات محاولا فهم ما يجري في المنطقة وكيفية خروج دولة الإمارات العربية المتحدة من المشهد الجيوسياسي والاقتصادي وبشكل سريع ومذل ويتم أبعادها من كل ذلك رغم أنها كانت إلى فترة قريبة أحد أبرز الحلفاء الاقوياء للدول الغربية الأوروبية والأمريكية على وجه الخصوص وكذلك السعودية .. فما الذي تغيير وكيف تحول المشهد دراماتيكيا حتى صارت مهددة بالزوال الوجودي كدولة فاعلة وشريكة في المنطقة.
سوف احاول التقريب أو التحليل للمشهد وفقا للوقائع المتسارعة التي حدثت مؤخرا من وجهة نظري كمتابع حيث خرجت الإمارات من المشهد اليمني وهي التي كانت مسيطرة عليها منذ سنوات طوال وخلال ٢٤ ساعة لا وجود لها كلاعب أساسي ، وخروجها فورا من الصومال ونفس الحال من السودان وليبيا وتشاد وكينيا ، دون أي مساندة من الدول الداعمة الغربية والأمريكية والصمت المطبق من قبلها لما تتعرض له من صفعات تواليا ، وأيضا تقارب السعودية وسلطنة عمان مؤخرا والطامحة لاستعادة سواحلها أو ما يسمى حاليا دولة الإمارات.
تتداول بعض الخطابات السياسية والإعلامية في المنطقة فرضية مفادها أن سلطنة عمان قد تستعيد ما يوصف بـ«ساحلها الإماراتي» مقابل أدوار أو خدمات إقليمية، في ظل ما يُقال إنه تراجع اقتصادي وسياسي متسارع لدولة الإمارات العربية المتحدة وربما برضى أو تغاضٍ من قوى دولية كبرى. هذه الفرضية، وهذا بطبيعة الحال يستدعي تحليلا هادئا يفصل بين التاريخ والواقع، وبين الرغبات السياسية وإمكانات التنفيذ الفعلي.
لو عدنا قليلا للبعد التاريخي والحضاري والحدود فإن الجغرافيا السياسية للخليج قبل القرن العشرين كان النفوذ العُماني قد امتد تاريخيا إلى سواحل واسعة من شرق أفريقيا وحتى بعض موانئ الخليج، إلا أن نشوء الدولة في المنطقة – خاصة منذ منتصف القرن العشرين – أعاد ترسيم الحدود على أسس قانونية معترف بها دوليا ، طبعا هذا كلام تاريخي منقول عن تاريخ عمان الدولة الكبيرة.
بعد ذلك كان قيام دولة الإمارات عام 1971 جاء ضمن هذا السياق، وباعتراف دولي وإقليمي كامل، بما في ذلك من سلطنة عُمان نفسها التي أقرت واعترفت غصبا والضغوط الدولي الغربية بضرورة قيام هذه الدولة" الإمارات" . ومنذ ذلك التاريخ استقرت الحدود بين البلدين عبر اتفاقيات رسمية اشرفت عليها المملكة المتحدة بريطانيا وفق التقسيم المعروف للمنطقة العربية.. وهذا ما يجعل أي حديث عن «استعادة» أراضٍ خارج هذا الإطار أقرب إلى الطرح التاريخي الرمزي منه إلى مشروع سياسي قابل للتحقق، في ظل الصمت الإقليمي والدولي والبريطاني على وجه التحديد.
وهنا ومن خلال الوقائع على الأرض يجعل نطرح هذا التساؤل.. هل تعيش الإمارات مسار انهيار والعودة للأصل عمان ؟!
لا شك أن الإمارات تواجه تحديات اقتصادية وسياسية وربما تفكك وانهيار اقتصادي نتيجة معاداة دول جوارها الخليجي ومحاولة لعب دور أكبر من حجمها الحقيقي والطبيعي ، وكذا إعراض حلفاء في العالم وأحجامهم عن دعمها في مواصلة ذلك الدور الذي تقمصته خلال العشرين سنة الماضية والتي أغضبت السعودية وعمان وقطر والبحرين والكثير من الدول العربية التي عانت كثيرا من خروج قيادة دولة الإمارات عن النص والدور المرسوم ،وكما هو حال معظم دول العالم في ظل تحولات الاقتصاد العالمي، وتوترات الطاقة، وإعادة تشكيل الحلفاء والتخلص من بعضهم كما حصل مع قوات قسد بسورية انتهى دوركم وبكل بساطة والعودة إلى الدولة السورية ولو بشكله الديني المتشدد والمنفتح بحسب المخرج الدولي اللعب الحقيقي كما أن سياساتها الإقليمية وأقصد هنا الإمارات وضعتها بشكل فعلي في مواجهة انتقادات حادة من دول المنطقة واحيانا الغربية،لكن تحويل هذه التحديات إلى سيناريو «سقوط الدولة» ربما تكون فعلية وواضح إذا ما أرادت السعودية وعمان وقطر ومعها بعض دول المنطقة خاصة إذا استطاعت هذه الدول من الضغط على دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية وهذا غير مستبعد في حال أكثرت دولة الإمارات من حالة العداء والقفز فوق حجمها الطبيعي وبالتالي لن تتورع للحظة واحدة الدول الكبرى الولايات المتحدة وأوروبا من إعادة رسم خرائط الدول في الخليج إذا ذلك يحقق مصالحهما الأساسية.
ويظل السؤال قائما ..هل تقترب نهاية الدور الإماراتي؟
لم يعد الحديث عن تراجع الدور الإماراتي مجرد همس في كواليس السياسة، بل تحول إلى طرح علنيا يتقاطع فيه الاقتصادي بالسياسي، والإقليمي بالدولي فالدولة التي قدمت نفسها خلال العقدين الماضيين كقوة صاعدة باتت اليوم تواجه سلسلة ضربات متلاحقة تهدد وجودها ومشروعها، لا مظهره فقط.
الإمارات تحوّلت تدريجيا من دولة تبحث عن تنمية داخلية متوازنة إلى أداة تنفيذ في صراعات المنطقة تدخلات مباشرة وغير مباشرة وخصومات مفتوحة مع قوى إقليمية كبرى ليس هذا فحسب بل تموضع أمني يتجاوز قدرتها الجغرافية والديموغرافية.
إذا الامارات ومن خلال كل هذه الأحداث تتلقى الإمارات ضربات متتالية وما تتلقاه اليوم ليس «أزمة عابرة»، كما يعتقد البعض بل تآكل بطيء وتراجع الثقة في بعض قطاعاتها الحيوية،نتيجة الضغوط المتزايدة على نموذجها المالي القائم وانكشاف عسكري وسياسي نتيجة سياسات توسعية لم تحسب كلفتها دولة الإمارات بدقة،والأخطر أن هذه الضربات تأتي في توقيت عالمي لا يرحم يعيد ترتيب أولوياته، ولا يحتاج إلى كيانات فائضة عن الحاجة أو مثيرة للمشاكل.
خلاصة:
الحديث عن استعادة عُمان لساحل «إماراتي» مقابل خدمات إقليمية يبقى سيناريو افتراضيا عالي وربما قد يكون مطروح على الطاولة ، ما يجري من أحداث متسارعة يجعل المنطقة مقبلة فعلا على تحولات، لكن هذه التحولات – كما تشير التجارب – إلى حدوث مالم يحمد عقباه خاصة عندما تقدم هذه الدولة الخدمات التي كانت تقدمها تلك وتحقق المصالح المطلوبة للغرب ورغبة في التخلص من الجار المزعج كالإمارات والأيام المقبلة قد تكشف الكثير من الكواليس، فهل تستعيد سلطنة عمان ساحلها من الإمارات ؟ .. كل السيناريوهات واردة .. ننتظر ما سيحدث!!!!. |