صنعاء نيوز - 
في ذلك الصباح البغدادي الذي يغلي بالرطوبة والضجيج، كانت أمعائي تقود انقلاباً عسكرياً ضد وقاري وثباتي، وصراخ الجوع

الإثنين, 09-فبراير-2026
صنعاء نيوز/ الكاتب/ اسعد عبدالله عبدعلي -








في ذلك الصباح البغدادي الذي يغلي بالرطوبة والضجيج، كانت أمعائي تقود انقلاباً عسكرياً ضد وقاري وثباتي، وصراخ الجوع فيها يتردد كصدى في أزقة "الحيدرخانة", لم يكن أمامي سوى الرضوخ لسلطان الجوع، فاتجهتُ صوب عربة فلافل ابوعلي يغطيها غبار الشارع وبريق الأمل، وقلتُ لصاحبها بلهجة الواثق: "عمي.. لفة فلافل بالعمبة، وكثّر الزلاطة, بلكي نحرك همومنا".

نظر إليّ البائع بنظرةٍ تجمع بين العطف والشماتة، وقال وهو يرفع كفّيه كأنه يلقي خطبة عصماء: "يا عيوني، اللفة اليوم شبت نار, يا عزيزي الحكومة حطت "ضرايب" على التجار، والتاجر ذبّها براسنا، وإحنا ذبيناها براسك.. اللفة غلت يا أستاذ!". دفعتُ الثمن وأنا أشعر أنني لا أشتري أقراص حمص مقلية، بل أستثمر في سبائك ذهبية، والتهمتها بمرارة من يبتلع كرامته مع "العمبة" التي تقطر على قميصي.



قررتُ الهروب من حرارة الموقف صوب "شارع الرشيد"، ذلك الشارع الذي يختصر تاريخنا المكلوم. رفعتُ يدي لـ "تكتك" يترنح بين السيارات كأنه راقص باليه في حلبة مصارع,. حين وصلنا، صدمتني الأجرة التي تضاعفت بقدرة قادر.

· "يا وليدي، شنهي القصة؟ الأجرة كانت بنص هذا السعر!"

أجابني السائق وهو يمسح عرقاً يمتزج بزيت المحرك: "يا أستاذ، الحكومة رفعت البنزين، والتكتك صار يصرف ذهب مو نفط.. إحنا مسيرين لا مخيرين، والجيب صار مثل المنخل، ما يمسك شي".



نزلتُ أمشي بكسر خاطر، حتى وجدت صديقي "علاء بيدياف" هكذا نطلق عليه لكثرة قراءاته للكتب الالكترونية، ذلك الرجل الذي يحمل في عينيه حزن المخطوطات القديمة. سحبتُه من ياقة يأسه إلى "مقهى الأسطورة"، حيث الدخان يروي قصص العاطلين والحالمين. طلبتُ له استكان شاي هسى ان يرمِّم ما تبقى من أعصابه، وسألته: "ما بالك يا علاء؟ وجهك يقطع رزق الماشي والراجع!".

تنهد تنهيدة كادت تطفئ نار الشاي التي يغلي عليها، وقال بصوت مخنوق: "أبوها يا صديقي.. فسخ الخطوبة. قال لي بالحرف الواحد: عمي، بنتي مو ارخص من باقي البنات, يقول إن المهر الذي اتفقنا عليه صار عتيق, ولا يتماشى مع التضخم وقرارات الحكومة الحكيمة. المهر يجب أن يُضرب في اثنين، أو تذهب لتبحث عن ابنة حلال على قد فلوسك".

ضحكتُ ضحكةً تشبه البكاء، وقلت له: "يا علاء، في بلدي، حتى نبضات القلب أصبحت تخضع لضريبة القيمة المضافة، والفقراء مثلي ومثلك لا يملكون سوى أن يحبوا في السر، ويجوعوا في العلن، وينتظروا رحمةً لا تمر عبر قرارات الحكومة".



وضعتُ يدي على كتف "علاء" المثقلة بخيبات العصر الرقمي وضريبة العاطفة، ونظرنا معاً إلى بخار الشاي وهو يتصاعد ليمتزج بدخان "النراجيل" في فضاء المقهى المتهالك، كأن أحلامنا هي الأخرى تتبخر وتستحيل دخاناً لا يُمسك. كان الصمت بيننا أبلغ من أي احتجاج، صمتٌ يختزل حكاية وطنٍ يركض فيه المواطن وراء رغيف الخبز، بينما يركض الرغيف وراء "سعر الصرف".

أدركتُ حينها أننا لسنا سوى أرقام في معادلة لا تقبل القسمة إلا على "الكبار"، وأن مشاعرنا وأمعاءنا وحتى ذكرياتنا في شارع الرشيد، باتت سلعاً تُعرض في مزاد السياسات المتقلبة. لم نعد نملك من أمرنا شيئاً سوى تلك الضحكة المجبولة بالمرارة، التي نطلقها في وجه الأزمات كلما اشتد الخناق، لنثبت لأنفسنا أننا ما زلنا على قيد الحياة، حتى وإن كانت حياة "بالدين".



تمت طباعة الخبر في: الإثنين, 09-فبراير-2026 الساعة: 10:24 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: https://sanaanews.net/news-106955.htm