صنعاء نيوز/ إيهاب مقبل -
يشهد العراق مؤخرًا موجة إضرابات واحتجاجات في عدد من المحافظات، قادها تجار وأصحاب مكاتب استيراد وسائقو شاحنات، اعتراضًا على قرار زيادة التعرفة الجمركية وما رافقه من تشديد في إجراءات الجباية بالمنافذ الحدودية. هذه التحركات لم تكن مجرد رد فعل آني، بل تعبير عن حالة غضب اقتصادي متراكمة، يشعر فيها المواطن والقطاع الخاص بأن كلفة معالجة العجز المالي تُحمَّل مرة أخرى على الحلقة الأضعف في الاقتصاد، عبر قرارات سريعة لا تعالج جذور المشكلة. ومع تصاعد هذه الاحتجاجات، يبرز سؤال جوهري: هل زيادة التعرفة الجمركية هي الخيار الوحيد المتاح أمام الحكومة، أم أن العراق يمتلك موارد وحلولًا أخرى، لو استُثمرت، لوفرت للدولة مليارات دون إثقال كاهل المجتمع؟
يعاني الاقتصاد العراقي منذ سنوات من عجزٍ مزمن في الموازنة العامة، سببه الاعتماد شبه الكامل على النفط، مقابل ضعف شديد في إدارة الموارد غير النفطية، وتضخم الإنفاق التشغيلي، وغياب الإصلاحات الهيكلية. ومع كل أزمة نفطية أو تراجع في الإيرادات، تلجأ الحكومات إلى الحل الأسهل إداريًا، وهو زيادة الرسوم والضرائب غير المباشرة، رغم ما تسببه من آثار تضخمية واحتقان اجتماعي، كما تشهده البلاد اليوم.
أولًا: ضبط المنافذ الحدودية ومكافحة الفساد الجمركي
تُعد المنافذ الحدودية من أخطر بؤر الفساد المالي في العراق، حيث تفقد الدولة سنويًا مليارات الدنانير بسبب التلاعب في التصاريح، والتخفيض غير القانوني للرسوم، وتهريب البضائع. إن فرض سيطرة حكومية كاملة، وربط المنافذ بنظام إلكتروني موحد يمنع التدخل البشري، كفيل بزيادة الإيرادات دون رفع التعرفة نفسها. دول مثل تركيا والمغرب استثمرت أنظمة إلكترونية دقيقة في المنافذ الجمركية، ما قلل التهرب وزاد الإيرادات بشكل كبير، وحقق استقرارًا ماليًا دون تحميل المواطن البسيط عبء إضافي.
ثانيًا: مكافحة الفساد الإداري والمالي على مستوى الدولة
لا يقتصر الفساد في العراق على المنافذ، بل يمتد إلى العقود الحكومية، والمشاريع الوهمية، وتضخيم الكلف، وسوء الإدارة. دول مثل سنغافورة ورواندا نجحت في تحويل مكافحة الفساد إلى سياسة دولة، ورفعت إيراداتها العامة بشكل ملحوظ، وأدت إلى جذب الاستثمار وتحسين الخدمات. إن تطبيق آليات مشابهة في العراق، مع استقلال القضاء والمساءلة الحقيقية، يمكن أن يدر مليارات سنويًا، بما يفوق أثر زيادة الرسوم الجمركية.
ثالثًا: إصلاح هيكل الرواتب والوظائف العامة
يستنزف بند الرواتب الجزء الأكبر من الموازنة، في ظل تضخم الجهاز الحكومي ووجود آلاف الموظفين غير المنتجين أو الوهميين. نفذت جورجيا بعد العام 2004 إصلاحًا جذريًا للجهاز الحكومي، ربطت فيه الرواتب بالأداء وقلصت الوظائف غير المنتجة، ما وفر موارد مالية ضخمة. يمكن للعراق اتباع نهج مماثل لتقليل الضغوط على الموازنة دون الحاجة لتحميل المواطن أعباء جديدة.
رابعًا: بناء نظام ضريبي عادل بدل الاعتماد على الجباية غير المباشرة
تعتمد الدولة حاليًا على الضرائب غير المباشرة التي يتحملها الجميع دون تمييز، في حين تبقى الأرباح الكبيرة شبه خارج نطاق الجباية. دول مثل ألمانيا وكندا تطبق ضرائب تصاعدية صارمة على الشركات الكبرى والعقارات الفاخرة، بينما تحمي ذوي الدخل المحدود، ما يدر إيرادات ثابتة ومستدامة. تطبيق نموذج مشابه في العراق سيحقق العدالة الاجتماعية والإيرادات دون إثقال كاهل الفقراء.
خامسًا: استثمار الغاز المصاحب بدل حرقه
يُعد العراق من أكثر دول العالم حرقًا للغاز المصاحب بدل استثماره. دول مثل قطر والنرويج والجزائر حولت الغاز إلى مصدر دخل ضخم للصندوق السيادي، يدر مليارات الدولارات سنويًا ويعزز الاستقرار المالي. استثمار الغاز في العراق يمكن أن يقلل الاستيراد، يحل أزمة الكهرباء، ويقلل التلوث، ويوفر إيرادات ضخمة دون فرض رسوم إضافية على المواطنين.
سادسًا: تنظيم السياحة الدينية وتحويلها إلى مورد سيادي
يمتلك العراق مواقع دينية عالمية في النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء، التي تستقبل ملايين الزائرين سنويًا. السعودية وإيران والفاتيكان استثمرت السياحة الدينية لتدر مليارات الدولارات سنويًا عبر تنظيم الرسوم والخدمات والفنادق. تنظيم هذا القطاع في العراق مع الحفاظ على الطابع الديني يمكن أن يوفر دخلًا ضخمًا دون أي عبء إضافي على المواطنين.
سابعًا: استثمار أملاك الدولة والأصول العامة المهملة
تمتلك الدولة العراقية أراضي وعقارات ومرافق بمليارات الدنانير، كثير منها مهمل أو متجاوز عليه أو يُدار بكفاءة منخفضة. دول مثل مصر والمغرب وتركيا حولت أملاك الدولة إلى مشاريع منتجة وصناديق سيادية، ما حقق إيرادات ثابتة ومستدامة. تطبيق نفس النهج في العراق يمكن أن يحول هذه الأصول من عبء إداري إلى مصدر دائم للدخل.
ثامنًا: إحياء الزراعة وتقليل الاعتماد على الاستيراد الغذائي
كان العراق تاريخيًا سلة غذاء للمنطقة، لكنه أصبح اليوم مستوردًا لمعظم احتياجاته. دول مثل هولندا وتركيا ومصر استثمرت الزراعة بشكل مكثف، رغم محدودية مواردها مقارنة بالعراق، وحققت مليارات من الإيرادات وصادرات قوية. دعم الفلاح، وتحسين التخزين والتسويق، يمكن أن يخلق قيمة مضافة كبيرة ويقلل فاتورة الاستيراد.
تاسعًا: تنشيط الصناعة المحلية بدل اقتصاد الاستيراد
يعتمد السوق العراقي بشكل شبه كامل على السلع المستوردة. دول مثل فيتنام وبولندا استثمرت الصناعات الخفيفة والمتوسطة، ما وفر ملايين الوظائف ووسع القاعدة الضريبية. دعم الصناعة في العراق يقلل الاستيراد ويزيد الإنتاج المحلي دون الحاجة لزيادة التعرفة الجمركية.
عاشرًا: ترشيد الإنفاق العام وتحسين إدارة المال العام
لا يقل ترشيد الإنفاق أهمية عن زيادة الإيرادات. مراجعة نفقات الوزارات، وضبط المخصصات والعقود الثانوية، وتقليل الهدر في السفر والمشتريات، يمكن أن يخفف العجز دون إثارة غضب الشارع أو الإضرار بمعيشة المواطنين.
الخلاصة
إن الإضرابات الحالية ليست اعتراضًا على قرار واحد بقدر ما هي رفض متراكم لنهج اقتصادي يعالج الأعراض بدل الأسباب. فالعراق لا يعاني من نقص في الموارد، بل من ضعف في إدارتها. زيادة التعرفة الجمركية قد توفر إيرادات مؤقتة، لكنها لا تبني اقتصادًا مستقرًا. في المقابل، يمثل استثمار الغاز، وتنظيم السياحة الدينية، وإدارة أصول الدولة، وإحياء الزراعة والصناعة، ومكافحة الفساد مسارات حقيقية قادرة على توفير مليارات، وتقليل العجز، واستعادة الثقة بين الدولة والمجتمع. ومن دون السير في هذه المسارات، سيبقى العراق يدور في حلقة العجز والاحتجاجات مهما تغيّرت الأدوات.
انتهى
|