صنعاء نيوز/ . غسّان شحرور - انسحاب أرونداتي روي من مهرجان برلين السينمائي، وهو قرار أعلنته في 13 فبراير 2026 بالتزامن مع المؤتمر الصحفي الافتتاحي للدورة السادسة والسبعين، لم يكن مجرّد جدل ثقافي، بل جرس إنذار إنساني. جاء موقفها بعد تصريحات لرئيس لجنة التحكيم فيم فيندرز قال فيها إن على صانعي الأفلام “الابتعاد عن السياسة”، في محاولة لتقديم الفن كمساحة محايدة، وذلك ردّاً على سؤال حول دعم ألمانيا للحرب على غزّة. بالنسبة لروي، لم يكن هذا “حياداً”، بل محاولة لإسكات نقاش أخلاقي ملحّ حول كارثة يواصل العاملون الإنسانيون والأطباء ومراقبو حقوق الإنسان توثيقها بقلق متزايد.
وفي بيانها المنشور في ذا واير وصفت روي ما يجري في غزّة بأنه إبادة جماعية، مؤكّدة أن على الفنانين “أن يفعلوا كل ما في وسعهم لوقفها”. كلماتها ليست تنظيراً، بل استجابة لواقع بشري يختبئ خلف العناوين: عائلات تُهجَّر في ليلة واحدة، جرّاحون يعملون بلا كهرباء، آباء يبحثون عن الماء الآمن، ومسعفون ومتطوّعون يكافحون لإبقاء خيوط الحياة الهشّة متصلة في ظلّ استهداف غير مسبوق للمدنيين والعاملين في الصحة والإغاثة والإعلام. هذه الشهادات تنقل النقاش من سجال سياسي إلى سؤال عن الشهادة الأخلاقية.
وتحذّر تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية من أنّ غزّة تواجه أوضاعاً كارثية تشمل نزوحاً واسعاً، وانهياراً في الخدمات الصحية، وتزايد خطر المجاعة، ما يجعل أي دعوة إلى “فن بلا سياسة” انفصالاً عن الواقع الإنساني لا عن السياسة وحدها.
تكشف أزمة برليناله عن شرخ أخلاقي أعمق داخل المؤسسات الثقافية العالمية. فالدعوات إلى “تحييد الفن” كثيراً ما تتحوّل إلى درع يحمي من مواجهة عنف الدولة أو مساءلة الحكومات القوية. وعندما قدّم فيندرز السينما بوصفها “توازناً مضاداً للسياسة”، فقد أعاد ـ من دون قصد ـ إنتاج تقليد طويل من نزع السياسة عن الثقافة، وهو تقليد اصطفّ تاريخياً مع الراحة والتجاهل لا مع الضمير.
لكن التاريخ كما نعرف جميعاً، يروي قصة مختلفة. فالمقاطعات الثقافية أسهمت في عزل نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وكثير من الكتّاب والمخرجين وقفوا ضد حروب سابقة رغم الضغوط المؤسسية. لقد لعب العصيان الثقافي دوراً محورياً في تشكيل الوعي الأخلاقي العالمي، وموقف روي يأتي ضمن هذا الإرث. فالصمت أمام معاناة جماعية ليس حياداً، بل قد يتحوّل إلى تواطؤ.
وفي هذا السياق، سارعتُ إلى نشر مقال داعم لها بالإنجليزية في أكثر من منصة، بينها منصة دولية في بلدها الهند، تحت عنوان: Arundhati Roy’s Stand at the Berlinale: A Humanitarian Call Against Silence ، بيّنتُ فيه المبررات الحقوقية والمبدئية لموقفها القوي، وأهمية أن يظلّ الفن مساحة للشهادة لا للتهرّب.
تحذّر المنظمات الإنسانية مراراً من أنّ الدمار في غزّة ليس مجرّد أرقام، بل صراع يومي من أجل البقاء. خلف كل رقم معلّم فقد صفّه، وطفل توقّفت دراسته، ومسعف لم يغادر المستشفى منذ أيام، ومتطوّع يواصل توزيع المساعدات رغم الخطر. هذه الشهادات تشكّل سجلاً أخلاقياً حيّاً لا يحق للمؤسسات الثقافية تجاهله. وموقف روي يؤكّد أن الفنانين، مثل العاملين الإنسانيين، حرّاس للحقيقة والذاكرة والضمير العام.
ويحمل موقفها أيضاً ثقل سمعتها الراسخة. فعلى مدى عقود، عُرفت روي ليس فقط كروائية حائزة على جائزة بوكر، بل كواحدة من أكثر الأصوات الأدبية ثباتاً في نقد السلطة والدفاع عن حقوق الإنسان، وكصوت يجمع بين الإبداع الفني والوضوح الأخلاقي والاستعداد الدائم للوقوف مع المظلومين مهما كان الثمن.
بانسحابها من برليناله، رفضت روي راحة الصمت في لحظة قد يفاقم فيها الصمت نفسه الأذى. يذكّرنا موقفها بأن الكرامة والحقوق والقانون الإنساني الدولي ليست مبادئ مجرّدة، بل معايير مُلزِمة تعتمد على ضمير الجمهور بقدر ما تعتمد على الحكومات والمحاكم. وعندما تُهدَّد هذه المعايير، لا يكون الفنانون خارج المشهد الأخلاقي، بل في قلبه.
ورغم الحضور العربي الكبير في المهرجان، ظلّ هذا الحضور صامتاً إزاء ما جرى، وكأنّ كثافة المشاركة لم تُترجم إلى موقف. وهنا يتعاظم السؤال الأخلاقي: إذا كانت روي قد اختارت أن ترفع صوتها، فمن سيختار أن يلحق بها، دفاعاً عن الحقيقة لا عن الراحة؟ |