صنعاء نيوز / ايهاب مقبل - ابهاب مقبل
لطالما ظهرت في بعض الخطابات الكردية الحديثة رواية تقول إن الساسانيين كانوا أكراد، محاولين بذلك نسب إمبراطورية عظيمة إلى الأكراد لإضفاء شرعية تاريخية أوسع على الهوية القومية الحديثة. هذا الادعاء، رغم جاذبيته العاطفية، يفتقد لأي أساس تاريخي ويعكس خلطًا بين الهوية الثقافية والعرقية الحديثة وبين الحقائق الموثَّقة للحقبة الساسانية. الساسانيون، ومن بينهم مؤسسهم أردشير الأول، كانوا فُرسًا إيرانيين من إقليم فارس جنوب إيران، تحدثوا الفارسية الوسطى وأقاموا دولة قامت على التراث الفارسي القديم، لا على أي هوية كردية محددة.
هناك عدة أدلة واضحة تدعم هذا: النقوش الملكية في نقش رستم وطاق بستان تشير إلى أن الساسانيين قدموا أنفسهم كخلفاء للفرس القدماء، ويظهر في النقوش تأكيد متكرر على نسبهم إلى الأسرة الأخمينية. هذه النقوش تظهر رموزًا فارسية كلاسيكية، مثل تاج أردشير والشعار الشمسي، وتستشهد بالتقاليد الزرادشتية والفارسية الوسطى، ما يؤكد هوية ساسانية وفارسية واضحة. العملات الساسانية تحمل أيضًا أدلة ملموسة على الهوية الفارسية: النقوش على الدراهم والقطع الذهبية تشمل عبارات بخط الفهلوية، وتظهر رموزًا دينية وزرادشتية، بينما لا يوجد أي مؤشر لغوي أو رمزي يربط الساسانيين بالهوية الكردية.
إن محاولة نسب الساسانيين للأكراد تنطوي على سوء فهم للغة والهوية. الفهلوية، لغة الإدارة والأدب والديانة الرسمية، ليست لهجة كردية قديمة. الدراسات اللغوية الحديثة تشير إلى أن الكردية ظهرت كلغة مكتوبة مستقلة في العصور الوسطى المتأخرة، وهي تنتمي إلى الفرع الإيراني الشمالي الغربي، بينما الفارسية الوسطى تنتمي إلى الفرع الجنوبي الغربي، مما يؤكد عدم ارتباط الساسانيين بالكرد.
تفنيد الربط بالسومريين
في بعض الروايات الكردية الحديثة، يربط البعض الكرد بالسومريين باعتبارهم أحد "أجدادهم القدماء"، غير أن هذا الربط لا أساس له من الصحة علميًا. السومريون عاشوا في جنوب العراق القديم، في مناطق مثل أوروك وأورو، وهي بعيدة تمامًا عن المناطق التاريخية التي سكنها الكرد. كما أن اللغة السومرية ليست لغة إيرانية، بينما الكردية تنتمي إلى الفرع الإيراني الشمالي الغربي، ولا توجد أي أدلة لغوية أو أثرية تربط الكرد بالسومريين. علاوة على ذلك، اختفى السومريون ثقافيًا وسياسيًا قبل ظهور شعوب إيران القديمة في المناطق الشمالية، ومن بينها الميديون الذين يمثلون أقرب الشعوب تاريخيًا ولغويًا للكرد. أي محاولة لربط الكرد بالسومريين هي مجرد تأويل عاطفي لتاريخ المنطقة وليست مدعومة بالدليل العلمي، ولا يمكن اعتمادها في الدراسات الأكاديمية الحديثة.
لا حاجة لسرقة تاريخ الأخرين
ومع ذلك، يمتلك الأكراد إرثًا تاريخيًا حقيقيًا يمكن الاعتماد عليه دون تزوير. بعض المؤرخين القدماء، مثل الطبري وياقوت الحموي، يشيرون إلى شعوب قديمة استوطنت جبال كردستان والمنطقة المحيطة بها، وأبرزها الميديون، الذين يشتركون مع الكردية في الخصائص اللغوية والثقافية الأساسية. الميديون حكموا شمال غرب إيران والجبال المحيطة بمحافظة همدان الحديثة وشمال كردستان الإيرانية، وأسهموا في تكوين الخلفية الثقافية واللغوية للكرد. الحصون والآثار المكتشفة في أربيل والسليمانية تؤكد وجود تجمعات كردية مستقلة منذ القرون الأولى للميلاد، مع وجود أنظمة حكم محلية وتنظيمات اجتماعية واضحة.
إضافة إلى ذلك، الإمارات الكردية في العصور الوسطى، مثل إمارة بابان في السليمانية، روادية داخل حدود أرمينيا وآذربيجان ومنها سلالة الايوبيين والقائد صلاح الدين الايوبي، وحسنويه في مناطق شمال غرب إيران وشمال شرق العراق قرب جبال زاغروس، تثبت قدرة الكرد على إدارة أراض واسعة، والحفاظ على سلطتهم، وإنتاج ثقافة سياسية محلية مستقلة. الدولة الأيوبية التي أسسها صلاح الدين الأيوبي تمثل أوج التأكيد على قدرة الكرد على حكم إمبراطوريات واسعة، حيث امتدت الدولة من مصر والشام إلى الحجاز واليمن، مؤكدًا الدور الكردي الفعلي في التاريخ السياسي والعسكري للمنطقة. ومع ذلك، كانت الدولة الأيوبية دولة إسلامية تتبع الخلافة العباسية سياسيًا وروحيًا، وليس دولة كردية بالمفهوم القومي الحديث.
مثل هذه الروايات المزيفة عن الساسانيين والسومريين تشكل خطرًا علميًا إذا ما تحولت إلى "حقيقة" لدى العامة، فهي لا تضر بالدقة التاريخية فقط، بل تمنح خصوم الهوية الكردية فرصة لتقويض أي سردية تاريخية صادقة. في الواقع، الشعب الكردي يمتلك إرثًا غنيًا وحقيقيًا يمكن الاعتماد عليه، دون الحاجة لاختلاق روابط غير مثبتة.
التاريخ لا يحتاج إلى تزوير لكي يُقدّر، والأكراد يمتلكون إرثًا حضاريًا وسياسيًا ولغويًا يليق بالاعتزاز. الاعتراف بحقيقة الساسانيين كإيرانيين وفارسيين لا يقلل من أهمية الأكراد، بل يعزز مصداقية السردية التاريخية الكردية ويضعها على أساس متين لا يمكن دحضه بالمصادر. التحدي الحقيقي ليس إثبات "أصلية" وهمية عبر ربط الكرد بشعوب بعيدة عنهم مثل السومريين، الذين عاشوا في جنوب العراق القديم ولغتهم مستقلة تمامًا عن اللغات الإيرانية أو الكردية، بل رواية تاريخ دقيق تعكس قوة وحضارة الشعب الكردي على مدى القرون، وتبرز جذورهم الحقيقية في الميدان الثقافي والسياسي واللغوي، دون اللجوء إلى مزاعم غير مثبتة تاريخيًا.
انتهى |