صنعاء نيوز/ ايهاب مقبل -
في السياسة، لا تكون البيانات الرسمية مجرد تجميع لغوي منضبط، بل نصوصًا محمّلة بإشارات محسوبة، تقول أقلّ مما تقصده وتقصد أكثر مما تقول. والبيان الصادر عن مجلس الوزراء الكويتي بشأن التطورات الأخيرة في ملف الحدود البحرية مع العراق ينتمي بوضوح إلى هذا النوع من الخطاب، خطاب هادئ في ظاهره، صارم في مضمونه، ومصاغ بعناية ليؤدي وظائف متعددة دون أن يرفع مستوى التصعيد العلني.
وعند قراءة البيان قراءة تفكيكية، تظهر ثماني رسائل ضمنية رئيسية، لم تُقل صراحة، لكنها تشكّل جوهر الموقف الكويتي الحقيقي.
أولًا: «الخرائط العراقية لن تمرّ»
حين عبّر البيان عن رفضه لما وصفه بـ«ادعاءات عراقية تمسّ بسيادة دولة الكويت على مناطقها البحرية ومرتفعاتها المائية»، فإن الكويت لا تعترض على مضمون الخرائط فحسب، بل توجّه رسالة أوضح: أي محاولة عراقية لخلق أمر واقع قانوني عبر الإيداع لدى الأمم المتحدة ستُواجَه فورًا. المعنى الضمني هنا هو إغلاق الباب أمام استراتيجية "التراكم الورقي" التي قد تراهن عليها بغداد، حتى إن لم تُترجم ميدانيًا.
ثانيًا: «الملف ليس ثنائيًا… ولا قابلًا لإعادة التفاوض»
حين يشدد البيان على «التعامل الجاد والمسؤول وفقًا لقواعد ومبادئ القانون الدولي»، فهو لا يدعو إلى التهدئة بقدر ما يسحب الملف من المجال السياسي الثنائي. الكويت تقول ضمنًا: هذا ليس نزاعًا يمكن حله عبر تفاهمات سياسية جديدة، بل ملف محكوم بمرجعيات دولية ملزمة، وعلى رأسها قرارات مجلس الأمن الدولي.
ثالثًا: «لدينا أدوات تصعيد… لكننا نؤجل استخدامها»
البيان يخلو عمدًا من أي تهديد مباشر باللجوء إلى مجلس الأمن أو التحكيم الدولي، لكنه يلمّح إلى ذلك عبر اللغة القانونية الثقيلة. المعنى الضمني هو: الكويت تملك القدرة على التدويل، لكنها تختار حاليًا الإنذار لا المواجهة، في محاولة أخيرة لاحتواء المسار العراقي قبل كسره علنًا.
رابعًا: «نراقب خطابكم الداخلي قبل خطواتكم»
التأكيد على «التعامل المسؤول»، ليس موجّهًا فقط إلى وزارة الخارجية العراقية، بل إلى الخطاب السياسي والإعلامي داخل العراق. الكويت تقصد ضمنًا أن أي لغة تعبئة شعبية أو حديث عن "استعادة الحقوق" سيُفسَّر دوليًا كنية لتغيير الوضع القائم، حتى لو لم يُرفق بإجراء عملي.
خامسًا: «خور عبد الله مسألة فنية لا سيادية»
رغم ذكر الخلافات المتعلقة بالملاحة، يتجنّب البيان الخوض في أي نقاش سيادي حول الممر، في إشارة واضحة إلى أن الكويت تقبل ضمنًا بـتنظيم الملاحة المشترك، لكنها ترفض بالمطلق إعادة توصيف خور عبد الله كنزاع حدود. المعنى هنا: تعاون تقني نعم، صراع سيادي لا.
سادسًا: «فشت القيد وفشت العيج خارج أي نقاش»
حين يسمي البيان هذه المناطق صراحة، ويؤكد أنها «لم تكن محلاً لأي خلاف حول سيادة دولة الكويت التامة عليها»، فهو يرفع هذه النقطة من مستوى الخلاف الفني إلى خط أحمر سيادي. الرسالة الضمنية واضحة: الاقتراب من هذه المناطق سيُنقل الملف فورًا إلى مستوى أعلى من الرد القانوني والسياسي.
سابعًا: «لا تُعيدوا فتح ذاكرة التسعينات»
الإشارة المتكررة إلى «العلاقات التاريخية بين البلدين الشقيقين»، ليست مجاملة لغوية، بل محاولة واعية لتجنّب استدعاء صورة العراق كدولة تصادمية مع النظام الدولي. الكويت تقول ضمنًا: أي سلوك يُفهم كتمرد على القرارات الأممية سيُعيد العراق إلى سردية لا تخدمه دوليًا.
ثامنًا: «لسنا وحدنا في هذا الموقف»
لغة البيان ليست محلية، بل دولية الصياغة، ما يعني ضمنًا أن الكويت لا تقف وحدها في هذا الملف، وأن أي تصعيد عراقي سيواجه إطارًا دوليًا أوسع، لا مجرد رد ثنائي. إنها رسالة ردع ناعمة بلا استعراض قوة.
ماذا تستطيع الكويت أن تفعل إذا أصرّ العراق على موقفه أو خطابه؟
رغم أن البيان الكويتي بدا هادئًا ومدروسًا، إلا أنه لا يعني غياب الأدوات. على العكس، تمتلك الكويت هامشًا واسعًا من الخيارات التصاعدية إذا اختارت بغداد الاستمرار في نهجها الحالي، سواء على مستوى الإجراء أو الخطاب. وهذه الأدوات لا تقوم على المواجهة المباشرة، بل على نقل العراق تدريجيًا من موقع المبادِر إلى موقع المُساءَل دوليًا.
أول هذه الأدوات يتمثل في التحصين القانوني داخل الأمم المتحدة، عبر إيداع مذكرات اعتراض رسمية تمنع أي قيمة تفسيرية أو تراكمية للخرائط أو الإحداثيات العراقية. وبهذا الإجراء، تُفرغ الكويت أي خطوة عراقية أحادية من مضمونها، وتحولها إلى وثيقة متنازع عليها منذ لحظة تسجيلها لدى الأمم المتحدة.
أما الخطوة التالية، فهي نقل الملف من كونه خلافًا ثنائيًا إلى مسألة التزام بقرارات دولية. ففي حال تصاعد الخطاب العراقي، تستطيع الكويت تأطير المسألة بوصفها نقاشًا حول تنفيذ قرارات سابقة صادرة عن مجلس الأمن الدولي، لا نزاع حدود قابلًا للتفاوض. عند هذه النقطة، يفقد العراق مساحة المناورة السياسية، ويجد نفسه في موقع الدفاع القانوني.
وتملك الكويت أيضًا خيار تدويل المسألة من زاوية ملاحية–اقتصادية بدلًا من تسييسها سياديًا، عبر لفت انتباه المنظمات البحرية وشركات الشحن والتأمين إلى مخاطر عدم الاستقرار الخطابي. مثل هذا المسار لا يفرض عقوبات، لكنه يرفع كلفة الملاحة والتأمين، ويخلق ضغطًا اقتصاديًا صامتًا أشد فاعلية من البيانات السياسية.
وعلى المستوى الثنائي، يمكن للكويت أن ترفع تدريجيًا منسوب الرد الدبلوماسي، سواء عبر تخفيض مستوى التواصل أو تجميد بعض قنوات التعاون الفني، ما يحوّل أي احتكاك صغير إلى أزمة أكبر، ويقلّص هوامش التهدئة التي ما زالت قائمة.
أما الخيار الأثقل، وإن كان مستبعدًا في المرحلة الحالية، فهو اللجوء المباشر إلى مجلس الأمن بشكوى رسمية تتهم العراق بمحاولة زعزعة وضع مستقر قانونيًا. هذا المسار لا يهدف إلى معاقبة فورية، بقدر ما يعيد العراق إلى بيئة رقابية دولية حساسة، كان قد نجح خلال السنوات الماضية في الخروج منها تدريجيًا.
في المحصلة، لا تحتاج الكويت إلى التصعيد كي تضغط، ولا إلى التنازل كي تحمي موقفها. يكفيها أن تواصل تحويل أي خطوة عراقية من فعل سيادي إلى اختبار التزام دولي، وهو مسار يعرف صانع القرار العراقي كلفته جيدًا.
نصيحة استراتيجية للعراق
أي تصعيد أو خطاب سيادي أحادي لن يربح العراق البحر، بل قد يضاعف خسائره القانونية والسياسية. وقراءة البيان الكويتي الأخير توضح الحدود الحمراء للكويت، والرسائل الضمنية التي تشير إلى أن أي محاولة لإعادة فتح النقاش حول الحدود والسيادة ستواجه تحصينًا قانونيًا ودوليًا وضغطًا ملاحياً–اقتصاديًا.
من هذا المنطلق، الخيار الأذكى للعراق هو التركيز على "حماية الملاحة" و"أمن الممرات البحرية" بدل الانشغال بـ"الحدود البحرية" أو "استعادة السيادة" بشكل شعاري. عليه أن يحدد بوضوح ما يريده وما هي مخاوفه: ممر آمن لسفن العراق، حرية مرور مستمرة دون تعطيل، وإجراءات تشغيلية واضحة في خور عبد الله، مع التأكيد على المخاطر الاقتصادية والاستراتيجية، مثل تعطّل التجارة أو تهديد صادرات النفط والغاز.
ويجب أن يكون التواصل مع الكويت تقنيًا وواضحًا ومبنيًا على مصالح ملموسة، مع تقديم حلول مشتركة لإدارة الممرات والموانئ، بما في ذلك لجان إشرافية وتنظيم الملاحة. هذا النهج يحوّل أي ضعف جغرافي إلى أداة تفاوضية ذكية تحقق المكاسب العملية دون أن يخسر العراق القانون أو استقرار المنطقة، ويضمن في الوقت نفسه مصالحه البحرية وأمن الممرات.
الخلاصة
ما تقوله الكويت علنًا هو دعوة إلى "التعامل المسؤول"، أما ما تقصده ضمنًا فهو أدقّ وأخطر: الملف مغلق قانونيًا، والتعاون ممكن فنيًا، لكن أي محاولة لإعادة فتحه سياديًا ستقود إلى مواجهة قانونية خاسرة.
البيان الكويتي ليس تصعيدًا، بل فرصة أخيرة للضبط. وفي السياسة الدولية، غالبًا ما تكون البيانات الهادئة هي الأشدّ حسمًا، لأنها تُقال قبل أن تُسحب القفازات.
انتهى |