صنعاء نيوز - 
يعد خور عبد الله أحد أهم الممرات المائية في شمال الخليج العربي، إذ يشكّل الحدود البحرية بين الكويت والعراق، ويعتبر مدخلًا رئيسيًا للموانئ العراقية

الخميس, 26-فبراير-2026
صنعاء نيوز/ ايهاب مقبل -
إيهاب مقبل

يعد خور عبد الله أحد أهم الممرات المائية في شمال الخليج العربي، إذ يشكّل الحدود البحرية بين الكويت والعراق، ويعتبر مدخلًا رئيسيًا للموانئ العراقية. ويحيط به من جهة الكويت جزر بوبيان ووربة، ومن جهة العراق شبه جزيرة الفاو. إلا أن هناك جدلًا طويلًا حول أصل اسم هذا الممر: هل سُمّي باسم الحاكم الكويتي عبد الله بن صباح الأول، أم باسم الصياد البصري عبد الله التميمي؟

عبد الله بن صباح الأول: الحاكم الكويتي
عبد الله بن صباح الأول، الحاكم الثاني للكويت من أسرة الصباح، تولى الحكم في الفترة من 1762 إلى 1812. خلال فترة حكمه، تمكنت الكويت من تعزيز استقلالها عن أي سلطة عثمانية، كما وسعت نشاطها التجاري والصيد البحري على طول سواحل الخليج. ومن المعروف أن تسمية الممرات والمواقع الحيوية الاستراتيجية في الخليج غالبًا ما كانت مرتبطة بالحكام المحليين البارزين، خصوصًا أولئك الذين ساهموا في تطوير الموانئ والممرات البحرية التي تعد شريان حياة للملاحة والتجارة.

تشير الخرائط البريطانية والوثائق التاريخية من القرن التاسع عشر إلى خور عبد الله كممر حيوي، دون أي ذكر لصياد عراقي، بينما كان الحاكم عبد الله بن صباح موجودًا ومؤثرًا في تلك الفترة، مما يعزز فكرة أن الممر قد سُمّي باسمه. كما أن السيطرة الإدارية للكويت على خور عبد الله خلال حكم عبد الله بن صباح تدعم هذا الاحتمال، إذ كانت الكويت تمارس النفوذ المباشر على الملاحة والصيد في المنطقة، وهو ما يجعل تسمية الممر باسم الحاكم أكثر منطقية من الناحية الرسمية والتاريخية.

عبد الله التميمي: الرواية الشعبية العراقية
يذكر بعض الروايات الشعبية المحلية في جنوب العراق أن الممر سُمّي باسم عبد الله التميمي، وهو صياد مشهور من البصرة عرف بمهاراته البحرية في خور عبد الله، ويقال إنه اكتشف الخور عام 1512 وأُطلق اسمه عليه.

على الرغم من قيمتها الثقافية، تفتقر هذه الروايات إلى دعم الوثائق الرسمية أو الخرائط التاريخية التي تثبت رسمياً ارتباط اسم الممر به، ولا توجد أي مصادر تاريخية مؤكدة تثبت صحة هذه الرواية، وقد تكون شخصية عبد الله التميمي مجرد شخصية خيالية أو رمزية في التراث الشعبي. كما أن النشاط الإداري والسيطرة على خور عبد الله كانت كويتية، في حين أن التميمي كان مجرد صياد فردي، ما يجعل من الصعب افتراض أن الممر سُمّي باسمه بشكل رسمي أو استراتيجي.

نبذة تاريخية عن خور عبد الله
في العصر السومري (حوالي 4000–2000 قبل الميلاد)، كان موقع خور عبد الله عبارة عن مسطح مائي وشبه جزيرة ساحلية على الخليج العربي، وكانت المناطق المحيطة بها عبارة عن مستنقعات المنغروف ومسطحات مائية. لم يكن هناك أي إدارة سياسية بمعنى الدولة، لكن السومريين استخدموا هذه المنطقة ضمن شبكة الطرق البحرية للتجارة والصيد، مستفيدين من قربها من دلتا نهري دجلة والفرات.

مع الفتح الإسلامي، أصبحت المنطقة جزءًا من الموانئ الصغيرة على الخليج، مثل كاظمة، وكانت تستخدم للصيد والتجارة البحرية. خلال العهد العثماني (القرن 16–19)، أصبح هناك نفوذ رمزي للسلطات العثمانية في البصرة على مناطق الخليج الشمالية، بما فيها خور عبد الله، لكن الإدارة الفعلية كانت محلية، وكانت الكويت تحت حكم أسرة الصباح منذ أوائل القرن الثامن عشر، تدير شؤونها داخليًا بشكل مستقل.

مع تولي عبد الله بن صباح الأول حكم الكويت، أصبح خور عبد الله تحت السيطرة الكويتية المباشرة. تم استخدامه كممر لصيد الأسماك والتجارة البحرية، وارتبط اسمه بالأنشطة الاقتصادية للكويت. بعد الاتفاقيات البريطانية في عشرينيات القرن العشرين، تم تحديد الحدود الرسمية بين الكويت والعراق، وأكدت الخرائط والسيادة الكويتية على خور عبد الله وجزر بوبيان ووربة. عند استقلال الكويت عام 1961، أصبح الخور جزءًا من الأراضي الكويتية ذات السيادة الكاملة، بينما العراق لم يملك إدارة رسمية عليه. النزاعات العراقية ظهرت فقط لأسباب سياسية واقتصادية، مثل غزو العراق للكويت عام 1990، لكنها لم تكن قائمة على الإدارة التاريخية للخور.

آثار خور عبد الله
على الرغم من القدم التاريخي للخور، من العصر السومري إلى العصر الحديث، لا توجد آثار عراقية رسمية في خور عبد الله تعكس أي سيطرة سياسية أو إدارة عراقية. المنطقة كانت وما زالت موقعًا مائيًا مهمًا للصيد والتجارة البحرية، وأي آثار موجودة مرتبطة بالنشاط البحري للكويت وسكان الخليج المحليين، ولا تظهر أي إدارة عراقية تاريخية. حتى الروايات الشعبية عن الصياد عبد الله التميمي لا تعتبر دليلًا أثريًا أو سياسيًا، بل جزء من التراث المحلي فقط. هذا يؤكد طبيعة خور عبد الله كمنطقة تحت النفوذ الكويتي منذ مئات السنين.

المعضلة العراقية واستقلال الكويت
تتمثل المعضلة في أن بعض الأطراف في العراق يعتبرون أن الكويت جزء من أراضيهم تاريخيًا، ويستندون إلى روايات غير موثقة مثل ذكر الصياد عبد الله التميمي أو قرب خور عبد الله من البصرة، كما يزعم بعضهم أن مدينة كاظمة التاريخية، الواقعة شمال الكويت الحالية، كانت عراقية. ويربط العراقيون الكويت بالعراق لعدة أسباب: قربها الجغرافي من البصرة، النفوذ الرمزي الذي كانت تمارسه البصرة خلال العصور الإسلامية والعثمانية على مناطق شمال الخليج، والروايات الشعبية عن الصيادين والتجارة البحرية، إلى جانب استخدام هذه المبررات في النزاعات السياسية الحديثة لتقوية فكرة أن الكويت "أرض عراقية".

وزيادةً على ذلك، كانت هناك دوافع سياسية واقتصادية واضحة:
1. الموارد النفطية: الكويت غنية بالنفط، والسيطرة عليها تعني وصول العراق إلى ثروة نفطية هائلة، خصوصًا بعد اكتشاف النفط في أوائل القرن العشرين. قبل اكتشاف النفط، لم تكن هناك مطالب عراقية بالكويت بالمطلق.

2. الموقع الاستراتيجي: كون الكويت بوابة الخليج العربي والموانئ الحيوية للملاحة والتجارة الدولية، يجعلها نقطة استراتيجية كبيرة لأي سلطة إقليمية.

3. الخلافات الحدودية: النزاعات التاريخية حول خور عبد الله وجزر بوبيان ووربة أُستخدمت في السياسات الإقليمية لتعزيز الادعاءات العراقية.

لكن الواقع التاريخي والسياسي والأدلة الموثقة تقول خلاف ذلك. الخرائط البريطانية والعثمانية الرسمية، والسيطرة الإدارية للكويت منذ القرن الثامن عشر، واتفاقيات الحدود الموقعة في القرن العشرين، كلها تؤكد استقلال الكويت وسيادتها الكاملة. علاوة على ذلك، لا توجد أي آثار أو دلائل أثرية عراقية تثبت أن الكويت أو خور عبد الله أو كاظمة كانت تحت إدارة عراقية رسمية في أي فترة من التاريخ، من العصر السومري وحتى العصر الحديث، ولو وُجدت لما تأخر العراق عن ذكرها أو المطالبة بها أثناء غزوه للكويت في مطلع التسعينيات. كل هذه الأدلة تؤكد أن ادعاءات العراق جزء من النزاعات السياسية الحديثة، وليست قائمة على الواقع التاريخي أو القانون الدولي.

الخلاصة
بالنظر إلى التاريخ الطويل للخور، من العصر السومري مرورًا بالعصور الإسلامية والعثمانية وحتى العصر الحديث، يتضح أن خور عبد الله كان دائمًا تحت النفوذ المحلي للكويت، ولم تديره أي سلطة عراقية رسمية. أما اسم الممر، فالمرجح تاريخيًا أنه مرتبط بالحاكم الكويتي عبد الله بن صباح الأول، بينما الرواية الشعبية العراقية لصياد البصرة تبقى جزءًا من التراث المحلي دون دليل رسمي. يعكس هذا التاريخ كيف كان خور عبد الله موقعًا استراتيجيًا وحيويًا للملاحة والصيد في الخليج منذ آلاف السنين، ويؤكد كذلك استقلال الكويت وسيادتها الموثقة بالأدلة التاريخية والسياسية.

انتهى
تمت طباعة الخبر في: الخميس, 26-فبراير-2026 الساعة: 10:11 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: https://sanaanews.net/news-107184.htm