صنعاء نيوز - أتذكرُ جيدا تلك الأيام الأولى بعد خروجي من المعتقل، حين وصلتُ إلى مأرب مثقلًا بما لا يُرى، ومحاطا بأسئلة البدايات القاسية

الأحد, 01-مارس-2026
صنعاء نيوز/ من صفحة الصديق إبراهيم الجندبي - على الفيس بوك -


أتذكرُ جيدا تلك الأيام الأولى بعد خروجي من المعتقل، حين وصلتُ إلى مأرب مثقلًا بما لا يُرى، ومحاطا بأسئلة البدايات القاسية. لم يكن لي حينها سوى القليل من اليقين، والكثير من الحاجة.
بعد إقامتي بمأرب لفترة اتنقل من فندق لآخر ومن مكان لمكان فتح لي الأخ العزيز د.إبراهيم عبد الولي البحري - حفظه الله - باب منزله، ومنحني إياه للإقامة مع عائلتي التي لحقت بي لاحقا، حتى أجد مأوى دائم. كان ذلك الموقف أول خيطٍ من خيوط الطمأنينة التي بدأت تنسج حولنا حياة جديدة.

وذات يوم، جاءني الدكتور إبراهيم وقال ببساطةٍ الواثق من الخير:
"مرّ على مركز الفيصل، وخذ ما تحتاجه من الأدوات المنزلية."

لم يكن بيني وبين ماجد البحري - رحمه الله - أي معرفة سابقة، ولم تجمعنا جلسات، ولا أحاديث، ولا حتى سلام عابر. لكنني اكتشفت لاحقا أن بعض الناس لا يحتاجون أن يعرفوك لكي يشعروا بك، ولا أن يسمعوا صوتك ليدركوا ما تمرّ به. كان ماجد من أولئك الذين يعرفون احتياجات الآخرين قبل أن يعرفونهم.

وبعد أن تعرّفت عليه، لم تمضِ مناسبة مرضٍ أو ضيقٍ أو ظرفٍ إلا وكان صوته يصلني قبل أن أصل إلى أحد. كان يتصل بي دون مقدمات، ودون تكلف، وكأنه يخشى أن يثقل عليّ السؤال، فيختصر المسافة بقوله:
"إذا احتجت فلوس، قل لي، وأنا أحول لك."

لم يكن يسأل ليردّ، بل كان يسأل ليعطي. ولم يكن ينتظر أن يُطلب منه، بل كان يخشى أن يفوتَه واجب العطاء.

أتذكر مرةً أن أحد الزملاء الإعلاميين مرّ بظرفٍ قاسٍ، حتى ضاقت به السبل، ونشر كلماتٍ موجعة تُنذر بانكسارٍ كبير. يومها بادرني ماجد باتصالٍ لا أنساه، وقال بصوتٍ يختلط فيه الحرص بالرجاء:
"يا أخ إبراهيم، أسألك بالله… لو كنت تحتاج أي شيء، اتصل بي، أو حتى أرسل رسالة."

لم يكن يسأل عن مالٍ أو شأنٍ بعينه، بل كان يسأل عن الإنسان، عن الكرامة التي قد تتعب، وعن النفوس التي قد تنهكها الوحدة. كان يشعر - بحدسه الصادق - أن كثيرًا من الإعلاميين والصحفيين يُتركون وحدهم في مواجهة الحياة، وأن المسؤولين الذين يفترض أن يكونوا سندا، قد لا يرونهم أصلا. فاختار أن يكون هو السند، دون صفة، ودون منصب، ودون ضجيج.

حينها، حمدتُ الله أن لي صديقا اسمه ماجد البحري…
وحمدتُ الله أكثر أن من أبناء بلدتي عتمة رجالا يشبهونه، رجالا لا يتخلون عن أصدقائهم، ولا يديرون ظهورهم لمن يحتاج إليهم.

ورغم أن علاقتي بالأخ الأكبر لماجد، والمؤسس الأول لمجموعة الفيصل، كانت أقدم - إذ جمعنا مقعد الدراسة في المرحلة الإعدادية - لكن لم يجمعني به سوى لقاء عابر في أحد المجالس. وكأنه لم يعد يعرفني، لكن ماجد وان لم أكن ضمن دائرة معارفه، كان من طرازٍ نادر، لا يُقاس قربه بالمعرفة، ولا عطاؤه بالصلة، بل بإنسانيته المجردة.

لم يكن لماجد أي اهتمامٍ سياسي، ولم يكن ينتمي إلى معسكرٍ أو تصنيف، أو حزب أو طائفه .
وفي زمنٍ صار الناس فيه يتوجسون من بعضهم، ويتحاشون التعاون خوفًا على سمعتهم أو تجارتهم أو حساباتهم الضيقة، كان ماجد يقف خارج هذه الحسابات كلها.
لم يكن يرى الناس إلا بإنسانيتهم، ولم يكن يقيسهم إلا بقدر حاجتهم.

كان يدرك أن القيمة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بما يملك، بل بما يمنح.

ماجد ليس الوحيد من أبناء المنطقة الذين أفتخر بالانتماء إليهم، لكنني أستطيع أن أقول بصدقٍ وامتنان: كان الأفضل، والأكرم، والأسخى… كان صورةً مشرقة لما يجب أن يكون عليه الإنسان حين يتحرر من ضيق الذات، ويتسع لغيره.

رغم أني لم أكن يوماً أحد اولئك الانتهازيين أو المصلحيين أو المستغلين لكني عرفته وخبرته في يده الممدودة بالخير للجميع دون استثناء .

رحم الله ماجد البحري…
رحم قلبًا لم يكن يعرف القسوة، ويدا لم تعرف التردد، وروحا جعلت من العطاء أسلوب حياة، لا موقفًا عابرًا.
رحمه الله وحفظ اشباهه وأمثاله .

سيغيب الجسد، لكن الأثر باقٍ…
وسيظل اسمه محفورا في ذاكرة كل من مرّ به ضيق، فوجد عنده سعة، أو احتاج سندا، فوجد عنده قلبا.
تمت طباعة الخبر في: الأحد, 01-مارس-2026 الساعة: 11:01 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: https://sanaanews.net/news-107225.htm