صنعاء نيوز -
الكاتب/ اسعد عبدالله عبدعلي
يا لروعة المشهد ويا لجمال الإخراج! قفوا جميعاً وقفة إجلال لهذا "الإعلام العربي" الهمام، الذي يبدو أنه قرر أخيراً اعتزال المهنة الصحفية والاعلامية, ليمتهن "العلاقات العامة" في مكتب المتحدث باسم جيش الاحتلال الصهيوني. إننا نعيش اليوم عصراً ذهبياً من "العور الإعلامي" الممنهج، حيث تُباع الحقيقة في أسواق النخاسة، ويُشترى "المانشيت" بربطة عنق صهيونية فاخرة.
انظروا إلى تلك الشاشات التي تطل علينا بوجوه "المحللين العباقرة"، الذين لو فحصت جيناتهم السياسية لوجدت فيها بقايا من "تلمود" الإعلام الغربي المحرف. يبدأ المذيع بابتسامة عريضة، كأنه يزف لنا بشرى فتح الأندلس، ليخبرنا بصوت متهدج من فرط الإعجاب: "يا للهول! لقد نجحت القبة الحديدية في اعتراض ذبابة إيرانية كانت تحوم فوق حيفا!"، بينما خلف ظهره، وفي الزاوية التي تحاول الكاميرا الهرب منها، يرتفع عمود من الدخان الأسود الكثيف يغطي شمس تل أبيب، لكن المذيع –لشدة أمانته– يقسم لنا أن هذا الدخان ليس إلا نتاج "حفل شواء" نظمه المستوطنون ابتهاجاً بالأمان الذي يرفلون فيه.
· القنوات العربية تلبس ثوب العبرية
إن هذا الإعلام "الأعور" يمتلك قدرة إعجازية على رؤية ثقب في جدار بستان في أصفهان, وتصويره على أنه "انهيار استراتيجي للمشروع الإيراني"، بينما يصاب بالرمد الربيعي المفاجئ حين تتساقط صواريخ "فتاح" كالشهب فوق القواعد العسكرية الصهيونية.
تراهم يهرعون إلى الخرائط، يشرحون لنا بالليزر الملون كيف أن الكيان الصهيوني "عملاق لا يقهر"، وأن دفاعاته الجوية هي "معجزة الزمان" التي لا يأتيه الباطل من بين يديها ولا من خلفها.
فإذا ما سقط صاروخ باليستي في قلب قاعدة "نيفاتيم" وحولها إلى ساحة للخردة، خرج علينا "الخبير العسكري" ذو البدلة الإيطالية ليقول ببرود يحسد عليه: "إن الصاروخ الإيراني سقط في منطقة مفتوحة"، ويبدو أن "المنطقة المفتوحة" في قاموس هؤلاء تشمل مدارج الطائرات، ومخازن الذخيرة، وحتى غرف نوم الجنرالات!
· العربان يلمعون صورة الكيان اللقيط
يا إلهي، كيف يسخر هؤلاء "الأعوار" كل طاقاتهم لتلميع صورة "الكيان الصهيوني" انه جيش من الاعلاميين العرب مهمتهم جعل الصهاينة كوحش لا يهزم, والذي بات يرتعد خلف جدرانه المحصنة؟
إنهم يتحدثون عن "خسائر إيران" بلغة ملحمية، وكأن كل طائرة مسيرة تُسقط هي نهاية التاريخ، بينما يتعاملون مع صراخ المستوطنين في الملاجئ كأنه "بروفة" لمسرحية كوميدية.
الإعلام العربي "المتصهين" – أو لنقل "المتطوع مجاناً لتجميل القبح"– وصل إلى مرحلة من الانبطاح الفكري تجعل "غوبلز" يتقلب في قبره غيرةً وحسداً. يصرون على تقديم السردية الصهيونية بحذافيرها، حتى أنك تشعر أحياناً أن المذيع ينتظر "رسالة واتساب" من مكتب نتنياهو ليحدد له متى يبتسم ومتى يقطب حاجبيه.
وإذا ما تجرأ أحد على ذكر "نصر إيراني" أو "تراجع صهيوني"، انقضت عليه جوقة "الذباب الإلكتروني" و"المنبطحين الفضائيين" بتهمة "العمالة" أو "نشر الأوهام"، وكأن رؤية الحقيقة أصبحت جريمة في زمن "الرؤية بمرآة صهيونية".
· ملاحظة: تصوير هزيمة الصهاينة ممنوع
أما عن "منع التصوير" والتعتيم الإعلامي الصهيوني، فهذا بالنسبة لإعلامنا العربي "الأعور" دليل على "الانضباط العسكري الرفيع" و"الاحترافية العالية"، وليس خوفاً من كشف الهشيمة!
إنهم يبررون للاحتلال الصهيوني إخفاء جثث قتلاه ودمار قلاعه، بينما يقيمون المآتم والندوات لتحليل "نظرة حزن" في عين جندي إيراني.
إنه إعلام "الغيبيات السياسية"، الذي يحاول إقناعنا بأن الكيان الصهيوني يربح الحرب بالضربة القاضية، بينما الواقع يقول إن "الضربة" الوحيدة التي يتلقاها الكيان هي في كبريائه الذي مرغته المسيرات في وحل الهزيمة.
وتجد هؤلاء "الصحفيين" يستميتون في إظهار الصهاينة بمظهر "الأقوياء الأخلاقيين" الذين لا يقتلون إلا "الأهداف المشروعة"، في حين يصورون أي رد فعل إيراني على أنه "اعتداء غاشم على واحة الديمقراطية".
· الاعلام العربي والكيل بمكيالين
والأنكى من ذلك، هو تلك اللغة "الهزيلة" التي تستخدم لوصف الانتصارات الميدانية لمحور المقاومة؛ فالحريق الذي يلتهم مخازن الوقود في حيفا هو "ماس كهربائي"، وتعطل الرادارات هو "خلل تقني ناتج عن الرطوبة"، أما فرار مئات الآلاف من المستوطنين إلى الملاجئ فهو "تمرين روتيني للياقة البدنية"! بالمقابل، إذا ما تعطلت إشارة بث في طهران، يقيمون الدنيا ولا يقعدونها، ويستضيفون "محللين نفسيين" لدراسة أثر ذلك على "انهيار الروح المعنوية للشعب الإيراني".
إنه عبث إعلامي يفوق الخيال، حيث يتم استئجار الحناجر لتردد صدى الصوت القادم من تل أبيب، بلكنة عربية مكسورة الكرامة.
يا سادة، نحن أمام "سيرك" إعلامي، المهرجون فيه يرتدون ربطات عنق، والجمهور المستهدف هو كل من لا يزال يمتلك ذرة من عقل. إنهم يحاولون حجب الشمس بغربال "البروباغندا" الصهيونية، متناسين أن الحقيقة مثل الصاروخ الباليستي، لا يمكن حجبها مهما بلغت قوة "التعتيم" ومهما بلغت لؤم "التبعية".
· اخيرا:
سيبقى هذا الإعلام "الأعور" يرقص على جراح الحقيقة، وسيبقى يلمع أحذية المحتلين بكلماته المنمقة، لكنه في نهاية المطاف لن يحصد إلا الخيبة، حين تنكشف الغمة ويتبين أن "العملاق" الذي رسموه في مخيلاتهم المريضة ليس إلا فزاعة من قش، أحرقتها أول شرارة من صدق المقاومة. فسلاماً على العقول التي لا تزال تبصر بعينين، وسلاماً على الحقيقة التي لا تموت، مهما حاول "إعلام الغفلة" دفنها في مقابر التضليل. |