صنعاء نيوز - بقلم: د. غسان شحرور

الجمعة, 13-مارس-2026
صنعاء نيوز/ بقلم: د. غسان شحرور -

أدهشني الكمّ الكبير من المنصّات والمجموعات العربية التي بادرت إلى تأبين المؤرخ الأكاديمي الراحل وليد خالدي باحترام يليق بمقامه وإسهاماته الكبيرة، هذا المشهد الإنساني دفعني إلى كتابة هذا المقال ونشره في منصات بالإنجليزية ليصل إرثه إلى القرّاء حول العالم، فهذا حق له وواجب علينا.

نعم، رحيل المؤرخ الفلسطيني وليد الخالدي (Walid Khalidi) يطوي قرناً من الالتزام بفكرة بسيطة وجذرية: أن ذاكرة الشعوب ليست مجرد رواية، بل حقّ إنساني، وأن توثيق محاولات محوها هو فعل من أفعال العدالة التاريخية. فمنذ ولادته في القدس عام 1925 وحتى وفاته في كامبريدج عام 2026، كرّس الخالدي حياته لتحويل الذاكرة الفلسطينية من سردية متنازع عليها إلى سجلّ تاريخي موثّق يفرض حضوره على الضمير الأكاديمي والإنساني العالمي.

بدأ الخالدي مساره الأكاديمي في جامعة أوكسفورد (University of Oxford)، حيث حصل على درجة الماجستير عام 1951. وكان أمامه مستقبل أكاديمي واعد في الجامعات الغربية، لكنه اختار طريقاً أكثر صعوبة وأعمق التزاماً أخلاقياً. ففي عام 1956، استقال من منصبه في أوكسفورد احتجاجاً على العدوان الثلاثي (Suez Crisis)، في خطوة كشفت عن مبدأ ظلّ يوجّه مسيرته الفكرية: أن المعرفة لا تنفصل عن المسؤولية الأخلاقية، حتى عندما يكون الثمن شخصياً أو مهنياً.

وفي عام 1963، شارك في تأسيس مؤسسة الدراسات الفلسطينية (Institute for Palestine Studies)، التي أصبحت لاحقاً أهم مركز بحثي مستقل مكرّس لدراسة فلسطين تاريخاً ومجتمعاً وسياسة. وقد شكّلت المؤسسة، بفضل رؤيته، فضاءً علمياً يقوم على التوثيق الدقيق، والتحليل النقدي، والاستقلالية المؤسسية. ومن خلالها أسهم الخالدي في ترسيخ مدرسة فلسطينية حديثة في كتابة التاريخ، تضاهي في منهجيتها المدارس العالمية المعاصرة.

وتبرز إسهامات الخالدي بشكل خاص في توثيق النكبة (Nakba). فالنكبة، التي شهدت تهجير أكثر من 700 ألف فلسطيني وتدمير مئات القرى عام 1948، لم تعد بفضل أعماله مجرد سردية سياسية، بل حقيقة تاريخية موثّقة بالأرشيفات والخرائط والصور والسجلات القروية. وقد شكّلت مؤلفاته الأساسية، مثل قبل الشتات (Before Their Diaspora) وكي لا ننسى (All That Remains)، مراجع راسخة في الجامعات العالمية، إذ أعادت رسم الجغرافيا البشرية لفلسطين قبل التهجير، وحفظت تفاصيل حياة مجتمعات كاملة كانت مهددة بالاختفاء من السجل التاريخي. وبهذا المعنى، حوّل الخالدي الذاكرة الفلسطينية إلى وثيقة يصعب إنكارها أو تجاوزها.

ومن أبرز إسهاماته دراسته المؤثرة لوثيقة خطة دالت (Plan Dalet)، المنشورة في مجلة الدراسات الفلسطينية (Journal of Palestine Studies)، والتي اعتمد فيها على أرشيفات عسكرية إسرائيلية ليبيّن أن تهجير الفلسطينيين لم يكن مجرد نتيجة عرضية للحرب، بل جزءاً من استراتيجية عسكرية منظّمة. وقد أصبحت هذه الدراسة مرجعاً أساسياً في النقاشات الأكاديمية الدولية حول المساءلة التاريخية والعدالة الانتقالية، وأسهمت في إعادة صياغة فهم العالم لجذور قضية اللاجئين الفلسطينيين.

وامتد تأثير الخالدي إلى مؤسسات أكاديمية عالمية، إذ درّس في الجامعة الأميركية في بيروت (AUB) وجامعة برنستون (Princeton University)، وعمل باحثاً في مركز الشؤون الدولية في جامعة هارفارد (Harvard University). كما انتُخب زميلاً في الأكاديمية الأميركية للآداب والعلوم (American Academy of Arts and Sciences)، إحدى أعرق المؤسسات العلمية في العالم. واستمرت دور نشر أكاديمية مرموقة مثل Oxford University Press في إدراج أعماله ضمن كتالوجاتها المرجعية، ما رسّخ مكانته كأحد أبرز المؤرخين في دراسات الشرق الأوسط.

ومع كل هذا الحضور العالمي، ظلّ إرث الخالدي في جوهره إرثاً أخلاقياً. فقد تعامل مع التوثيق بوصفه واجباً، ومع الذاكرة بوصفها حقاً، ومع الكتابة بوصفها شهادة. وللجيل الشاب، الفلسطيني والدولي على حدّ سواء، يقدّم الخالدي نموذجاً للمثقف الذي يجعل من الحقيقة قوة، ومن التوثيق مقاومة، ومن المعرفة أداة لحماية كرامة الشعوب.

وفي زمن تتجدد فيه معارك الذاكرة عبر الأرشيفات الرقمية وخطابات الإنكار، يبقى إرث وليد الخالدي أساساً معرفياً وتحدّياً أخلاقياً في آن واحد. فهو يذكّرنا بأن العدالة تبدأ بالحقيقة، وأن حماية الذاكرة ليست عملاً أكاديمياً فحسب، بل مسؤولية إنسانية مشتركة تتطلب من الجيل الشاب مواصلة معركة الذاكرة في فضاءات جديدة: الرقمية، الأكاديمية، والإعلامية.
تمت طباعة الخبر في: الجمعة, 13-مارس-2026 الساعة: 11:07 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: https://sanaanews.net/news-107365.htm