صنعاء نيوز/ الكاتب/اسعد عبدالله عبدعلي - أدب الموت المأجور:
كيف يُباع العراق في سوق النخاسة الأدبية؟
الكاتب/اسعد عبدالله عبدعلي
منذ انطلق تاريخ الأدب العراقي وهو يقف كحارس أمين على شموخ الرافدين، يغرف من بحر حضارةٍ علّمت البشرية الحرف، فكان الأصل في الكلمة أن تكون مرآة تعكس رقيّ هذا المجتمع وبهاء أهله, الذين نحتوا من الصخر حياة... لكننا اليوم نعيش زمن "المسخ الأدبي"، حيث تصاعدت جوقة ممنهجة، اختارت بملء إرادتها أن تمزق تلك المرآة وتستبدلها بلوحة سريالية كابوسية، لا لون فيها يسرّ الناظرين سوى قتامة الدم، ولا إيقاع يضبط حركتها إلا ضجيج الطائفية وعويل المخطوفين.
والعجيب في هذا المشهد الهزلي، أن فئة واسعة من "تجار الكلمة" العراقيين وجدوا في جراح وطنهم "بضاعة رائجة"، فراحوا يتسابقون في مضمار القبح، لا لغاية فنية، بل طمعاً في التفاتة من لجنة تحكيم "خليجية" تمنحهم جائزة مذهبة، أو تكريم من مؤسسات عربية لا يطيب لها إلا رؤية العراق في ثياب المأتم... هذا النتاج ليس عفوياً بأي حال، بل هو "صناعة أدبية" بتمويل خارجي سخي، يسعى بذكاء خبيث لاستئجار الأقلام العراقية وتحويلها إلى أدوات لصياغة صورة مشوهة، تجعل من بغداد مجرد ساحة خلفية للخراب. فكيف يمكن للمثقف، الذي يُفترض به أن يكون بلبلاً يغرد لجمال بلاده، أن يستحيل إلى غراب لا ينعق إلا بالبين؟
إننا أمام مفارقة مضحكة مبكية، حيث يُسخر القلم ليكون خنجراً مسموماً يُغرس في خاصرة الوطن، وكأن الإبداع لا يتحقق إلا إذا تلطخت الأوراق بطين القبح وتجاهلت كل بارقة أمل في عراقنا الجديد، وكل ذلك من أجل حفنة من "الدراهم" ولقب زائف في محافل الأدب "المعلب".
· دوافع الخارج: صناعة "الدولة الفاشلة"
تتجلى ملامح المؤامرة الثقافية في اوضح صورها حين تتحول أروقة المؤسسات الإعلامية الممولة من الخارج إلى مختبرات كيميائية، لا لابتكار الحلول، بل لتقطير سمومٍ فكرية تهدف إلى إعادة صياغة الوعي الجمعي العالمي تجاه العراق، حيث تُحاك بخبث روايةٌ تصر على حصر المجتمع العراقي في زاوية البدائية والهمجية، وتصويره ككيان هجين غارق في وحل النزاعات المذهبية، وكأنه شعبٌ قاصرٌ مسلوب الإرادة، عاجز فطرياً عن إدارة شؤونه أو بناء دولته، وهذا المسرح الهزلي لا يُنصب عبثاً، بل هو التمهيد الأخلاقي والقانوني "الناعم" لشرعنة التدخلات الخارجية.
إن هذا الضخ الممنهج يعمل بكدحٍ شيطاني لترسيخ فكرة أن العراق ليس سوى بؤرة للخطر ومستنقع للموت لا يمكن العيش في كنفِه.. وهي رسالة مشفرة تستهدف ضرب مقومات النهوض من الداخل عبر تهجير العقول والكفاءات التي تُعد العمود الفقري للمستقبل، وتنفير رؤوس الأموال والاستثمارات بجعل الأرض العراقية تبدو وكأنها طاردة للحياة.
وعندما تتماهى الرواية الأدبية المأجورة مع هذا المخطط، مركزةً عدساتها "المكبرة" فقط على جثث القتلى وقصص الخطف كنمط حياة روتيني، فإنها تنجح في خلق حالة من "البلادة العاطفية" لدى الرأي العام العالمي، الذي لم يعد يرى في القضايا الوطنية الكبرى سوى تفاصيل ثانوية في بلدٍ محكوم عليه بالفناء، وهكذا يُحكم الطوق حول الشخصية العراقية لتُسجن في نمطين لا ثالث لهما: إما "ضحية دائمة" تثير الشفقة والازدراء، أو "مشروع قاتل" محتمل يبرر للعالم الوقوف ضده، ليتحول القلم هنا من أداة تنوير إلى خادمٍ ذليل في بلاط الخارج، يصيغ شهادة وفاة الوطن مقابل ثمنٍ بخس.
· دوافع الكتاب: إغراءات "العالمية" المزيفة
دعونا نقف ملياً أمام هذا السؤال الجوهري الذي يقرع أجراس الضمير الثقافي بنبرة حزينة: ما الذي يهوي بيراع كاتب عراقي، ليبيع حبره في أسواق النخاسة الأدبية؟ وكيف يطاوعه قلبه وصنعة يده على حياكة رواية أو قصة ليس فيها من العراق إلا ملامح القبح، وكأن الغاية القصوى من أدبه هي الحط من شأن وطنه وتمزيق ثوب مجتمعه أمام الملأ؟
إن الجواب عن هذا اللغز يكمن في سراديب مظلمة تمزج بين إغراءات المادة وبريق المعنوية الزائف، حيث تبرز تلك "المعايير الخفية" التي تضعها بعض المؤسسات المانحة والجوائز الأدبية المريبة، والتي توحي للكاتب -سراً أو علانية- بأن طريق المنصة والتتويج يمر حصراً عبر المبالغة الفجة في تصوير الانكسارات الاجتماعية والنفخ في رماد التمزق الطائفي، متسترةً خلف قناع زائف تسميه "الواقعية الجريئة"، بينما هي في الحقيقة "سوداوية مأجورة" تستلذ برؤية الجرح العراقي نازفاً على الورق.
وفي أحيان كثيرة، يسقط الكاتب في فخ البحث المحموم عن "العالمية" الموهومة، واهماً بأن قطار الترجمة والانتشار في دور النشر العابرة للقارات لا يتحرك إلا إذا قُدّم للجمهور الغربي وجبة دسمة من سردية العنف والخراب، تلك الصورة النمطية التي يشتهيها الآخر ليريح بها ضميره تجاه مآسينا، فيتحول المبدع هنا إلى "دليل سياحي" في مدن الأنقاض، يبيع البؤس كبضاعة سياحية مغلفة بغلاف أدبي.
والأدهى من ذلك كله، هو تلك الغشاوة الفكرية التي تجعل البعض يتوهم أن جلد الذات بأسلوب تجريحي وسادي هو قمة التحرر الثقافي والتمرد الفني، بينما هو في عمقه ارتماء ذليل في أحضان أجندات خارجية لا تعترف بالإبداع إلا إذا كان معولاً يهدم جدار الهوية الوطنية، ليتحول الكاتب من حارس للذاكرة ومبشر بالجمال إلى مجرد ترس في آلة دعائية ضخمة، تستهلك مأساة الوطن وتحول دماء أبنائه إلى حبر رخيص يُسوق في محافل الأدب العالمي كسلعة استهلاكية مثيرة للاهتمام.
· النتائج على الأجيال: تسميم الذاكرة
إن هذا النوع من الأدب الموجه والمسموم لا يكتفي بتشويه الحاضر، بل يمتد بأذرعه الخفية ليزرع ألغاماً تدميرية في وعي الجيل الصاعد، مخلفاً وراءه آثاراً لا يتطرق إليها الشك في قدرتها على تقويض أسس المستقبل؛ فحين ينشأ الشاب العراقي في مقتبل عمره وهو يتنفس نصوصاً تقنعُه بأن تاريخه الحديث ليس سوى سلسلة متصلة من الطعنات الغادرة والخيانات المريرة، فإن النتيجة الحتمية هي ذبول جذور الانتماء الوطني في وجدانه، لتستحيل تلك الرابطة المقدسة مع الأرض إلى حالة من الازدراء والدونية، وكأن قدره أن يكون ابناً لخراب لا ينتهي.
وهذا الأدب الخبيث لا يتوقف عند حد التوثيق السلبي، بل يمارس عملية "تدوير" شيطانية للنزاعات الطائفية، فيصبها في قوالب أدبية وسردية منمقة وجذابة، تجعل من الصراع "هوية" ومن الاختلاف "خندقاً"، مما يؤدي إلى ترسيخ هذه الاحترابات في العقل الباطن للشباب كحقائق مطلقة وقدريّة لا يمكن الفكاك منها أو الفوز عليها، بدلاً من أن يكون الأدب جسراً لتجاوز المحن ومنارة لاستشراف الوحدة.
والأخطر من ذلك كله هو تلك الهجمة الشرسة التي يشنها هذا السرد السوداوي على روح المبادرة ووهج الطموح في نفوس الفتية؛ فإذا كان "الأدب" الذي يُفترض به أن يكون ملهماً للحياة، يهمس في أذن القارئ الشاب بأن الخطف والقتل هما القدر المحتوم والمشهد الوحيد المتاح على خشبة المسرح العراقي، فبأي دافعٍ سيتحرك هذا الشاب نحو البناء؟ وكيف له أن يؤمن بجدوى التطوير وهو يرى في كل صفحة يقلبها تأكيداً على عبثية المحاولة أمام وحش الدمار؟ إننا هنا أمام اغتيال معنوي لجيل كامل، يُراد له أن يرى وطنه من خلال ثقب إبرة ملوث، ليظل أسير اليأس والتبعية، فاقداً للبوصلة التي تقوده نحو استعادة مجد الرافدين العظيم.
· الخاتمة
إن الكلمة أمانة، والتاريخ لا يرحم من استبدل "طين الرافدين" بفتات الموائد المأجورة؛ فليعلم "تجار الحبر" أن الجوائز تذهب وتبقى الأوطان، وأن العالمية الحقيقية لا تشرق من نوافذ الخراب بل من عمق الانتماء. لقد حان الوقت لينتفض القلم العراقي من وحل السوداوية "المصنعة"، ليعود كما كان: منارة للوعي، وحارساً للجمال، وصوتاً للحياة التي يأبى شعب العراق إلا أن يحياها بشموخ، رغم أنوف الطامعين وسرديات المرجفين.
|