صنعاء نيوز/ د. اسامه عبدالرحمن حيدر -
د. اسامه عبدالرحمن حيدر
بغداد 5 نَـيْسَان 2026 م
الحرب ليست دوماً صليل السيوف ولا هدير الطائرات، وليست بالضرورة دوي المدافع ولا رائحة الدماء المتناثرة في الأزقة. الحرب قد تكون أعمق من ذلك، قد تكون غزواً صامتاً يتسلل إلى الروح قبل أن يمس الجسد، يفتك بالهوية قبل أن يفتك بالمدينة، ويهدم المعنى قبل أن يهدم المبنى.
لقد اعتدنا أن نرى الحرب في صورها الكلاسيكية: أشلاء، أنقاض، دخان، وصرخات. لكن الحرب الحديثة لم تعد تحتاج إلى بارودٍ ولا قذائف، بل إلى إعادة تشكيلٍ للعقل، وإلى مفاهيم تُزرع ببطء حتى تبدو وكأنها حقيقة بديلة، وإلى هوية تُنتزع من جذورها دون أن يُطلق رصاص. إنها حرب على الذات قبل الجماعة، على الإيمان قبل السلوك، وعلى الانتماء قبل الموقف. حرب تجعل الإنسان يشك في نفسه قبل أن يشك في عدوه، وتدفعه إلى إعادة تعريف ما كان ثابتاً في داخله وكأنه لم يكن.
إن أخطر ما في هذه الحرب أنها لا تقتل الجسد، بل تقتل المعنى الذي يسكنه. تُبقي الإنسان حيًّا من الخارج، لكنه فارغ من الداخل، متحركًا بلا يقين، حاضرًا بلا هوية. إنها حرب ناعمة في ظاهرها، قاسية في أثرها، تُقنعك أنك لست ما كنت عليه، وأن ما كنت تعتبره ثابتًا ليس إلا احتمالًا يمكن تجاوزه. وفي هذا السياق، لم يعد زعزعة المجتمعات يحتاج إلى جيوش أو حصار أو قصف. أحيانًا يكفي أن تُعاد صياغة المفاهيم، وأن تُطرح تحولات الهوية والتعبير الجنسي والميل على أنها مسارات طبيعية مطلقة، حتى تصبح جزءًا من النقاش العام، وتتحول من أسئلة فردية إلى ظاهرة اجتماعية مثيرة للجدل، خصوصًا في مجتمعات محافظة كالمجتمع اليمني.
وما يُلاحظ في السنوات الأخيرة من تجارب بعض اللاجئين في دول أوروبا، وما يُثار حول تغيّر مساراتهم الفكرية والسلوكية بعد انتقالهم، يفتح باب سؤالٍ لا يمكن تجاهله:
هل هو تحوّل نابع من قناعة داخلية حرة، أم نتيجة بيئة جديدة تعيد تشكيل الإنسان وفق منظومة مختلفة تمامًا عن سياقه الأول؟
أتذكّر في هذا السياق مشاركتي في دورة بجامعة أمريكية حول الرعاية الصحية للمتحولين جنسيًا، حيث لم يكن الطرح طبيًا بحتًا، بل امتد إلى إعادة تعريف مفاهيم مثل الميول والتعبير والهوية. وكان لافتًا أن بعض من يقدّمون هذا الخطاب يعيشونه أيضًا في مظهرهم وسلوكهم، في تداخلٍ بين النظرية والتجربة الشخصية.
ومن هنا يبرز سؤالٌ آخر أكثر مباشرة:
لماذا يُقدَّم التحول من رجل إلى امرأة بدعمٍ ورعايةٍ أوسع في الخطاب العام، بينما لا يحظى الاتجاه المعاكس بذات الحضور والزخم؟ ، هل هو توازن حرية كما يُقال، أم انحياز ثقافي يُعاد ترسيخه تدريجيًا حتى يصبح هو القاعدة؟ ، إن وصول هذه القضايا إلى دوائر القرار، وما يُلاحظ من قبولٍ أو تساهلٍ متزايد في بعض البيئات، يجعلها في نظر كثيرين ليست مجرد اختيارات فردية، بل جزءًا من تحوّل أوسع في بنية المجتمعات ومعاييرها. وهكذا، لم تعد الحرب في الميدان، ولا على الحدود، بل في عمق الإنسان ذاته. في تعريفه لنفسه، في يقينه، وفي الصورة التي يراها عن ذاته قبل أن يراها العالم. فحين يُعاد تشكيل الإنسان من الداخل، لا يعود الخارج بحاجة إلى احتلال.
وهنا تكمن مسؤولية الآباء والأمهات، مسؤولية غرس الإيمان في قلوب أبنائهم، وتعريفهم بذواتهم، وتحصينهم بالهوية التي لا تُشترى ولا تُباع. أن تقول لابنك: أنت رجل بما تحمل من قيم، ولابنتك: أنت جميلة بما وهبك الله، هو في ذاته مقاومة، هو في ذاته سلاح. فالحرب اليوم لم تعد على الأرض ولا على الحدود، بل على الإنسان نفسه. والمنتصر فيها ليس من يملك السلاح الأقوى، بل من يملك الهوية الأرسخ، والإيمان الأعمق، والوعي الأصفى. |