صنعاء نيوز - يهاب مقبل
في التاسع من أبريل نيسان عام 2003، سقطت بغداد، ليس فقط كثاني أكبر مدينة وعاصمة عربية، بل كرمز لمرحلة كاملة من تاريخ العراق الحديث. وقد قدّمت الرواية الرسمية الأمريكية هذا الحدث باعتباره "تحريرًا" ونقطة انطلاق نحو بناء دولة ديمقراطية مستقرة. غير أن ما أعقب ذلك السقوط يكشف عن فجوة واسعة بين هذه الرواية وبين الواقع الذي عاشه العراق خلال السنوات التالية، سواء على المستوى الأمني أو السياسي أو الإنساني.
على الصعيد العسكري، صوّرت واشنطن دخول قواتها إلى بغداد كإنهاء سريع لعمليات عسكرية بدأت في 20 مارس آذار 2003 واستمرت قرابة ثلاثة أسابيع فقط. غير أن انهيار مؤسسات الجيش والأمن بشكل شبه كامل فتح الباب أمام فراغ أمني واسع، سرعان ما تحوّل إلى فوضى شاملة وأعمال نهب وغياب شبه كامل للسيطرة المؤسسية. وهكذا، لم تنتهِ الحرب فعليًا بسقوط العاصمة، بل بدأت مرحلة أكثر تعقيدًا من العنف غير النظامي والصراع الممتد.
سياسيًا، تحدث الخطاب الأمريكي عن "بناء عراق جديد" قائم على الديمقراطية والمؤسسات. لكن الواقع الفعلي شهد تفكك مؤسسات الدولة القديمة دون جاهزية كافية لبناء بديل مستقر، ما أدى إلى فراغ إداري وأمني كبير. ومع تزايد الصراعات بين القوى السياسية الناشئة، دخل العراق في مرحلة انتقالية اتسمت بعدم الاستقرار وتعدد مراكز النفوذ والانقسامات الداخلية، خصوصًا في السنوات الأولى التي تلت الغزو.
إنسانيًا، تكشف البيانات الموثقة أن كلفة الحرب كانت أعلى بكثير مما عكسه الخطاب السياسي. فقد وثّق مشروع "إحصاء ضحايا العراق"، وهو مشروع بريطاني بحثي مستقل يعتمد على تحليل آلاف التقارير الإعلامية، مقتل ما لا يقل عن 24,865 مدنيًا خلال الفترة بين 2003 و2005 فقط. وتشير بياناته إلى أن بغداد وحدها شهدت قرابة نصف هذه الخسائر، ما يعكس شدة العنف في العاصمة بعد سقوطها.
كما يوضح التقرير أن نحو 30% من الضحايا سقطوا خلال مرحلة الغزو الأولى قبل إعلان انتهاء العمليات القتالية الكبرى في مايو أيار 2003، في حين ارتفعت أعداد القتلى بشكل ملحوظ في السنة الثانية من الحرب مقارنة بالأولى، ما يدل على أن ما بعد الغزو كان أكثر دموية من لحظاته الأولى. وتشير البيانات الموثقة إلى أن النساء والأطفال شكّلوا قرابة 20% من إجمالي الضحايا.
أما من حيث المسؤولية عن العنف، فيُظهر التقرير أن القوات التي قادتها واشنطن كانت مرتبطة بحوالي 37% من الوفيات المدنية الموثقة، بينما نُسبت 9% إلى جماعات مسلحة معارضة للاحتلال، في حين شكّل العنف الجنائي بعد الغزو نحو 36% من إجمالي الوفيات، وهو ما يعكس حجم الانهيار الأمني الذي أعقب سقوط الدولة، إلى جانب ارتفاع مستمر في حالات القتل غير المنسوبة لجهات محددة.
ومن حيث طبيعة العنف، كانت الأسلحة المتفجرة، خصوصًا الغارات الجوية الأمريكية، مسؤولة عن أكثر من نصف الوفيات المسجلة، مع تأثير كبير على المدنيين، بما في ذلك الأطفال الذين تضرروا بشكل خاص من القصف والذخائر غير المنفجرة. كما تشير البيانات إلى إصابة ما لا يقل عن 42,500 مدني خلال الفترة نفسها، مع ضغط هائل على النظام الصحي المنهك أصلًا.
وتعتمد هذه البيانات على مصادر متعددة، أبرزها شهادات الأطباء والعاملين في المشارح، وتقارير وكالات الأنباء الدولية، إضافة إلى مساهمة متزايدة للصحفيين المحليين في توثيق الأحداث، ما يعكس محاولة مستمرة لتسجيل الخسائر رغم ظروف الحرب المعقدة.
وفي تعليق على هذه المعطيات، أشار البروفيسور جون سلوبودا، أحد معدّي التقرير، إلى أن متوسط عدد القتلى كان يقارب 34 عراقيًا يوميًا خلال تلك الفترة، واصفًا هذه الخسائر بأنها "الكلفة المنسية" للحرب، في ظل غياب إحصاءات رسمية شاملة من الأطراف المشاركة في النزاع.
أما على مستوى تقدير الحجم الكلي للخسائر، فقد حاولت دراسات وبائية مثل دراسات مجلة لانسيت البريطانية قياس الوفيات الزائدة الناتجة عن الحرب. فقد قدّرت دراسة عام 2004 وجود نحو 98 ألف وفاة زائدة منذ بداية الغزو، بينما أشارت دراسة عام 2006 إلى احتمال وصول العدد إلى حوالي 654,965 وفاة زائدة حتى منتصف ذلك العام، أي ما يعادل نحو 2.5% من سكان العراق آنذاك. وقد أثارت هذه التقديرات جدلًا واسعًا في الأوساط الأكاديمية بسبب الفجوة بينها وبين مصادر أخرى تعتمد على التوثيق المباشر، لكنها بقيت من أهم المحاولات العلمية لقياس الكلفة الحقيقية للحرب بما يتجاوز الإحصاءات الإعلامية التقليدية.
في الجانب الصحي، أدى حجم العنف والانهيار الأمني إلى إنهاك النظام الصحي العراقي بشكل كبير، مع نقص في الكوادر الطبية والأدوية، وتزايد الإصابات والأمراض، إلى جانب آثار نفسية واسعة على السكان. أما قطاع التعليم، فقد تعرض لاضطرابات كبيرة نتيجة تدهور الأمن وهجرة الكفاءات وتضرر البنية التحتية للمدارس والجامعات، ما انعكس على جيل كامل من الطلبة.
اقتصاديًا واجتماعيًا، رافق ذلك ارتفاع واضح في معدلات الفقر والبطالة، وتراجع في الخدمات الأساسية، وتفكك في النسيج الاجتماعي، مع موجات نزوح داخلية وخارجية واسعة. ورغم ذلك، أظهر المجتمع العراقي أشكالًا متعددة من الصمود ومحاولات إعادة بناء الحياة اليومية في ظل ظروف شديدة التعقيد.
إن قراءة تجربة سقوط بغداد وما بعدها من منظور نقدي تُظهر أن الفجوة بين الخطاب السياسي الأمريكي والواقع العراقي لم تكن مجرد اختلاف في التقدير، بل كانت اختلافًا في فهم طبيعة ما بعد الحرب وتعقيداته. فبينما ركز الخطاب الرسمي على فكرة "التحرير" و"إعادة الإعمار السريع"، كانت الأرض العراقية تتجه نحو واقع طويل من عدم الاستقرار وتراكم الأزمات.
وفي خضم الحرب الأمريكية الإسرائيلية على الجارة إيران منذ 28 فبراير شباط 2026، يمكن القول إن تجربة العراق بعد 2003 تُبرز أن إسقاط الأنظمة بالقوة العسكرية لا يؤدي تلقائيًا إلى بناء دول مستقرة، بل قد يفتح المجال أمام فراغات سياسية وأمنية تكون كلفتها الإنسانية والاجتماعية أعلى بكثير من التوقعات الأولية. كما تُظهر أن إعادة بناء الدولة عملية طويلة ومعقدة، تتطلب مؤسسات مستقرة ورؤية سياسية متماسكة، لا مجرد تغيير في السلطة.
وبذلك، لا يُعد التاسع من نيسان مجرد ذكرى عسكرية، بل محطة لفهم التباين بين الروايات السياسية الأمريكية والواقع الميداني العراقي، وبين الخطاب الرسمي والنتائج الإنسانية التي عاشها العراقيون خلال السنوات التي تلت سقوط بغداد.
المراجع:
مشروع ضحايا العراق، ملف الضحايا المدنيين في العراق 2003-2005
https://reports.iraqbodycount.org/a_dossier_of_civilian_casualties_2003-2005.pdf
مسوحات لانسيت لضحايا حرب العراق، 2004 -2006
https://en.wikipedia.org/wiki/Lancet_surveys_of_Iraq_War_casualties
انتهى |