صنعاء نيوز - في المدن التي أُرهِقَت بالحروب والإهمال، لا تأتي الفواجع كاستثناء… بل كاستمرارٍ منطقيٍّ لسلسلة من التقصير.
في تعز، لم يسقط طفلٌ في حفرةٍ مكشوفة فقط… بل سقطت معه أسئلةٌ كثيرة، كانت مؤجلة، حتى جاءت لحظةٌ لا تحتمل التأجيل.
أيلول…
اسمٌ كان يفترض أن يكون بداية حكاية، لا نهايتها المعلّقة.
جرفه السيل، نعم… لكن من الذي ترك الطريق مفتوحًا للموت؟
من الذي جعل حفرة التصريف فمًا جائعًا يبتلع طفولةً كاملة؟
أهو المطر؟ أم أن المطر كان فقط شاهدًا بريئًا على جريمةٍ قديمة اسمها الإهمال؟
لم تنم المدينة…
ليس فقط حزنًا عليه، بل لأن ضمائرها استيقظت دفعةً واحدة، تبحث عنه في الظلام، وتبحث عن الحقيقة في وضح النهار.
لكن، كيف بقلب أمّه؟
أيُّ قلبٍ هذا الذي يُترك وحيدًا في مواجهة هذا العبث؟
هي لا ترى حفرةً ولا سيلًا… هي ترى يدًا كان يجب أن تُغلق هذه الفجوة، ولم تفعل.
ترى مسؤوليةً تُركت تتآكل في مكاتب باردة، حتى صارت قدرًا ساخنًا يلتهم فلذة كبدها.
الأم لا تُجيد لغة السياسة، لكنها تفهم شيئًا واحدًا بوضوحٍ قاسٍ:
أن غياب ابنها لم يكن قضاءً فقط… بل تقصيرًا أيضًا.
وهنا، تتقدّم الفلسفة خطوةً إلى الأمام، لا لتواسي… بل لتحاسب:
ما معنى السلطة، إن لم تكن حماية الضعفاء؟
ما قيمة المناصب، إن كانت الطرقات نفسها مصائد موت؟
أيُّ إدارةٍ هذه التي تترك حفرةً مفتوحة، ثم تفتح بيانات التعزية بعد أن تبتلع روحًا بريئة؟
إن المدينة التي لم تنم، ليست فقط تبحث عن طفل… بل تفتّش في وجوه المسؤولين عن إجابة، وتسأل بصوتٍ واحد:
كم طفلًا آخر يجب أن يُفقد، لنفهم أن الإهمال ليس خطأً عابرًا… بل جريمة؟
يا أيلول… لقد تحوّلت من غائبٍ نبحث عنه، إلى شاهدٍ صامتٍ على خللٍ كبير.
صرتَ سؤالًا أخلاقيًا يطارد كل من كان يستطيع أن يمنع، ولم يمنع.
أما أمك… فهي الآن لا تواجه الفقد وحده،
بل تواجه أيضًا شعورًا مُرًّا بأن هذا الفقد كان يمكن أن لا يحدث.
وفي هذه الحقيقة، يكمن الوجع الأكبر:
أن الموت، حين يأتي من الإهمال،
لا يكون قدرًا فقط…
بل إدانة. |