صنعاء نيوز - وأنت تطوف في أرجاء طوسٍ قادماً من أقاصي الأرض، تتعاظم في عينيك خطواتك، وتتزاكى أنفاسك، مُتأملاً بلوغَ أمنياتك، مُستأنساً

الجمعة, 01-مايو-2026
صنعاء نيوز/ إيمان عبد الرحمن الدشتي -

وأنت تطوف في أرجاء طوسٍ قادماً من أقاصي الأرض، تتعاظم في عينيك خطواتك، وتتزاكى أنفاسك، مُتأملاً بلوغَ أمنياتك، مُستأنساً بكلّ ما من حولك، فيسرح فكرُك نحو العُلى مُتبصِّراً مُنتشيا؛ سَفَرٌ بهِ خلّفتُ وراء ظهري أعزّتي وراحتي واستقراري والتزاماتي بل كلّ شيء، فما أعظمَ مقصودي! وما آنسَ مَلجأٍ وفدتْ له روحي المثقلةُ بأعباء الدنيا، لتحطَّ في رحابه بكلّ ما للطمأنينةِ من معنى!

علي بن موسى الرضا، هديةُ السماءِ لأهلِ الأرض، فهو ثامنُ الحججِ الإلهيةِ الإثني عشر الذين خصهم المعبودُ (عزَّ وجلَّ) لقيادةِ وهدايةِ عبادهِ بعد نبيهِ الخاتم (صلى الله عليه وآله) ولم يستثن أحداً منهم من عظيم الشأن وكمال المقام، حيث أعطاهم أدواراً متناغمةً مترادفةً متوالية، لتبقى حاكميته في أرضهِ قائمةً ما بقي الليل والنهار.
المتأملُ بمشهدِ الإمام أبي الحسن الرضا (عليه السلام) يدرك بنور اليقينِ عظمةَ مقامهِ وعُلوّ شأنه، فليس له حين التشرفِ بزيارةِ ضريحه المقدّس إلا أن يتملّكه شعورٌ استثنائيّ برأفتهِ المحسوسة، والتي -مع ما له من فرضِ تجديدِ طاعته- تَحملُ عُشّاقَه من أقاصي الدنيا لزيارتهِ والمكوثِ في جواره، بل والعودةِ إليه أخرى، غيرَ آبهين ببعد الطريق وعناء السفر ومخاطره وتكاليفه.
إنه (سلام الله عليه) ما اختلف عن آبائه وأبنائه الطيبين الطاهرين، في ابتلائه بغدرِ زمانه، حيث سَلَبَ الطُغاةُ حقَّه في الخلافة، وتَحَمّلَ مرارةَ الإقصاءِ عن وطنه، إلا أن إرادةَ اللهِ التي خفيت عن أعين الظالمين لم تغبْ يوما، ومكرَه الحاضر في تدبير أعدائه جعل المأمونَ العباسيّ اللعين، الذي امتاز بعلمه ودهائه من اتخاذِ خراسانَ النائيةَ مقراً لحكومته، بعيداً عن بغداد التي ما أَمِنَ على نفسه منها بعد قتله لأخيه الأمين، فظنّ أن الدنيا له مُستوسقة والأمور مُتّسقة، وحين صفا له مُلكُ آل محمدٍ وسلطانُهم، عمل بمكره على استقدامِ الإمامِ علي بن موسى الرضا (صلوات الله وسلامه عليه) من المدينةِ المنورةِ ليكون تحت أنظاره بعيداً عن حاضنتهِ الشيعيةِ الموالية، فغاب عن إدراكه مكرَ خيرِ الماكرين وأن الأمر كله لله، وأن خراسان ستصبح رضويةً -بكلّ ما للإسم من خصوصية- ولو بعد حين!
إذ أنّ ما فاز به الإمام الرضا (صلوات الله وسلامه عليه) من جزاء إلهي، بعد أن ظُلِمَ وتغرّب وترك الأهلين والديار، وقطع الفيافي والجبال والهضاب والسهول بالاف الكيلو مترات، كان تخطيطاً استراتيجياً من لدن حكيم خبير، لتصبح خراسان قبلةً للنفوسِ الساميةِ والافئدةِ العاشقةِ الموالية، ومَوئلاً للكراماتِ وأُنساً للأرواح، وقاعدةً لتأسيسٍ ربانيٍّ بعيدِ المدى سيكونُ له شأنٌ عظيمٌ في آخر الزمان.
إن هذه الاستراتيجية هي من جعلتْ من الجمهوريةِ الإسلامية قوةً إقليميةً عُظمى، تستمدُ الإصرارَ والشموخَ والنموَ والسموَ من مرقده الطاهر، وتتربى على صفاتهِ المحمديةِ العلويةِ، متمسكةً بعقيدةٍ راسخةٍ كجبالِ إيران الشامخة، وهذا حالُ كلِّ قياداتها التي ما برحت تخوض مُعترك الحياةِ الاقتصاديةِ والسياسيةِ وتحدياتِ المستكبرين، بنَفَسٍ حيدريٍّ رضويٍّ لا يَقبلُ الهوان، وفي مقدمتهم الشهيدُ "الأمةُ" السيد علي الخامنئي، وكذا الشهيد السيد رئيسي (أعلى الله مقامهما) اللذين ترعرعا وتهذّبا بمقام شمس الشموس الإمام الضامن (عليه السلام) بل أن عمومَ الشعبِ الإيرانيِّ يمتازُ بصفاتِ الإباء والرفعة الرضوية.
بناءً على ذلك؛ فإن هذه الاستراتيجية هي من تقود الجمهوريةَ الإسلاميةَ اليوم إلى مُواصلةِ التحدي، بخطىً ثابتةٍ ويقينٍ متأصّل، وتعزز الإصرارَ على الصمودِ بوجه العدوان الصهيوأمريكي، وبوجه كلّ من تُسولُ له نفسُه المساسَ بأمنها العقائديّ والقوميّ، لتصبح قوةً دوليةً تأبى التراخي، وقُطباً يُنافس اقطابَ العالمِ المتجبّرة، بميزةٍ إنسانيةٍ عقائديةٍ صُلبةٍ سيكون لها الثقل الأعظم في التمهيد لدولة العدل الإلهيّ.

فيا شمسَ الشموس؛ يا من وُلدتَ من نسلِ السادةِ الأقمار، واستُشهدتَ نائياً عن أرضِ آبائك الأطهار، لتَشُعَّ من طوس على العالمين من فيضِك الأنوار، ولتنصر ولدَك الحجةَ الموعودَ بالقادة والانصار، عليك من عاشقيك سلامٌ ما بقي الليل والنهار.

11/ ذي العقدة/ 1447هـ
تمت طباعة الخبر في: الجمعة, 01-مايو-2026 الساعة: 02:30 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: https://sanaanews.net/news-108080.htm