صنعاء نيوز / د. مصطفى عبدالقادر أستاذ جامعي -
تشهد أروقة الأمم المتحدة تحولاً استراتيجياً في كيفية التعاطي مع الملف الإيراني؛ حيث تجاوزت الأزمة الراهنة حدود التجاذب السياسي التقليدي لتصل إلى مرحلة التدويل القانوني للقيود المفروضة على الملاحة البحرية.. ويأتي مشروع القرار الأمريكي الذي كُشف عنه في السادس من مايو ليعكس رغبة واشنطن وحلفائها الإقليميين في صياغة إطار رادع يمزج بين الضغوط الاقتصادية والشرعية الدولية وسط تعقيدات جيوسياسية تفرضها موازين القوى في مجلس الأمن.
أمن الملاحة كأداة للضغط الجيوسياسي
يمثل مضيق هرمز العصب الحيوي للتجارة العالمية، وهو ما دفع الولايات المتحدة عبر وزير خارجيتها ماركو روبيو إلى توصيف الإجراءات الإيرانية الأخيرة من فرض رسوم عبور غير قانونية وزرع أطراف من الألغام البحرية بأنها محاولة "لاحتجاز الاقتصاد العالمي رهينة".
إن التركيز في مشروع القرار على الألغام البحرية ورفض طهران الكشف عن مواقعها لا يستهدف فقط تأمين ناقلات النفط بل يهدف إلى تجريد الجانب الإيراني من أدوات "الحرب الهجينة" التي يستخدمها لفرض سيادته على الممر المائي، وإن الانتقال من مجرد التنديد إلى المطالبة بإنشاء ممر إنساني لنقل المساعدات والسلع الأساسية يعكس ذكاءً دبلوماسياً يهدف إلى إحراج القوى المعارضة للقرار عبر صبغ المطالب الدولية بصبغة إنسانية يصعب الاعتراض عليها أخلاقياً.
تكتيكات الفصل السابع وتوازنات الفيتو
تكمن القوة القانونية للمشروع في صياغته تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.. وهو ما يمنحه صفة "الإلزام" ويفتح الباب أمام إجراءات عقابية صارمة.. ومع ذلك يظهر الواقعي السياسي في تعديل النص لحذف عبارة "السماح باستخدام القوة"؛ وهي مناورة تهدف بوضوح إلى تحييد روسيا والصين.
إن الجهود الدبلوماسية المكثفة تجاه بكين تزامناً مع التحضير لقمة دونالد ترامب وشي جين بينغ المرتقبة تشير إلى أن واشنطن تحاول مقايضة ملف أمن الطاقة العالمي بتنازلات في ملفات أخرى مدركةً أن الصين كأكبر مستورد للنفط تتضرر بشكل مباشر من أي اضطراب في هرمز مما قد يدفعها للامتناع عن التصويت بدلاً من استخدام حق النقض.
التصعيد العسكري والردود الإقليمية
على الصعيد الميداني لم تعد التوترات حبيسة البحار بل امتدت لتشمل العمق الإقليمي.. فاعتراض الدفاعات الجوية الإماراتية لهجمات صاروخية وطائرات مسيرة يُعزى تنفيذها لطهران يضع المنطقة أمام منعطف خطير.. ورغم النفي العسكري الإيراني، إلا أن توصيف وزارة الخارجية الإماراتية لهذه الهجمات بأنها "تصعيد خطير" يؤكد أن الصبر الاستراتيجي في العواصم الخليجية بدأ ينفذ.
إن تمسك أبو ظبي بـ"حقها الكامل والمشروع في الرد" يعزز من شرعية المطالب الدولية بضرورة وجود غطاء أممي يحمي السيادة الوطنية للدول المطلة على الخليج ويمنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة.
الموقف الأوروبي.. والتناغم مع الرؤية الأمريكية
لم يعد الموقف الأوروبي يتبنى لغة "الوساطة الهادئة" كما في السابق بل بدا أكثر حزماً ووضوحاً؛ فتصريحات المستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس الوزراء البرتغالي تعكس قناعة أوروبية بأن سياسة "كسب الوقت" التي تنتهجها طهران لم تعد مقبولة، والربط الأوروبي بين البرنامج النووي وأمن الملاحة في هرمز يمثل وحدة حال مع الرؤية الأمريكية الجديدة؛ حيث يرى الأوروبيون أن امتلاك نظام الملالي لقدرات نووية عسكرية بالتوازي مع سيطرته على ممرات التجارة سيخلق واقعاً استراتيجياً يهدد الأمن القومي الأوروبي.. وأما مطالبة وزير الخارجية الألماني بإنهاء برنامج الصواريخ الباليستية والسياسات التحريضية تعني أن القارة العجوز باتت ترى في السلوك الإقليمي الإيراني حزمة واحدة لا يمكن تجزئتها.
نحو نظام أمني جديد
إن مشروع القرار الأمريكي لا يستهدف فقط فرض عقوبات جديدة بل يسعى لتأسيس بروتوكول دولي جديد لحماية الممرات المائية، ويعترف بحق الدول في الدفاع عن سفنها ضد "الاستفزازات".
إن نجاح هذا التوجه يعتمد على قدرة المجتمع الدولي على تحويل الإجماع السياسي إلى واقع عملي يمنع عسكرة الملاحة المدنية، ومع اقتراب موعد التصويت في مجلس الأمن، وتصاعد زخم اللقاءات في القمم الكبرى المرتقبة تظل المنطقة بانتظار ما إذا كانت الدبلوماسية تحت مظلة الفصل السابع ستنجح في كبح جماح التصعيد.. أم أن الميدان سيظل هو الحكم في صراع إرادات مفتوح على كافة الاحتمالات.
|