صنعاء نيوز - وقد نُشرت النسخة الإنجليزية من مقالي هذا قبل أكثر من أسبوع على منصّات دولية، في محاولة لإبقاء الشهادة الإنسانية حيّة أينما وُجد قارئ

الجمعة, 22-مايو-2026
صنعاء نيوز/ بقلم د. غسان شحرور -
من البحر إلى الوجدان: أسطول الحرية وواجب الحقوق الإنسانية الذي لا يُحاصَر
بقلم د. غسان شحرور

وقد نُشرت النسخة الإنجليزية من مقالي هذا قبل أكثر من أسبوع على منصّات دولية، في محاولة لإبقاء الشهادة الإنسانية حيّة أينما وُجد قارئ قادر على الإصغاء للألم الإنساني حين يُحاصَر.

في غزة، لم يعد انهيار النظام الصحي حدثاً طارئاً يمكن احتواؤه أو أزمة عابرة بانتظار هدنة مؤقتة، بل أصبح انهياراً بنيوياً متواصلاً يهدد شروط البقاء الإنساني ذاتها. تقارير منظمة الصحة العالمية، ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية توثّق واقعاً تتعرض فيه المستشفيات، والعاملون الصحيون للاستهداف المتكرر، وتختفي فيه الأدوية الأساسية، وتتراجع فيه القدرة على تقديم أبسط خدمات الجراحة، والغسيل الكلوي، ورعاية الأمومة، والطوارئ. وتشير تقديرات أممية إلى أنّ غالبية مستشفيات غزة خرجت كلياً أو جزئياً عن الخدمة في مراحل متعددة من الحرب، في واحدة من أخطر أزمات الانهيار الصحي المعاصر. وفي بيئة كهذه، لا يُقاس الزمن بالساعات أو الأيام، بل بعدد الأرواح التي كان يمكن إنقاذها لو سُمح بوصول الدواء والغذاء والماء والكهرباء.

هناك مرضى ينتظرون جلسة غسيل كلوي قد لا تأتي. أطفال يُولدون في أقسام تفتقر إلى الحد الأدنى من التجهيزات. جرحى تُؤجَّل عملياتهم لأنّ غرف العمليات بلا وقود أو أدوية تخدير. وأطباء يعملون لأيام متواصلة تحت القصف، وهم يدركون أنّ قدرتهم على إنقاذ الحياة تتآكل أمام الحصار ونفاد الإمكانات. في غزة، لم يعد الخطر يهدد الصحة فقط، بل يهدد معنى الحماية الإنسانية نفسه.

وفي هذا السياق، تؤكد الأمم المتحدة أنّ إسرائيل، بصفتها قوة احتلال، تتحمل التزامات قانونية واضحة بموجب القانون الدولي الإنساني، وفي مقدمتها اتفاقية جنيف الرابعة، التي تلزم القوة القائمة بالاحتلال بحماية المدنيين وضمان استمرار الخدمات الطبية والسماح بمرور الإغاثة الإنسانية دون عوائق. وعندما تُمنع هذه الالتزامات من التحقق، لا يظهر الفشل في النصوص القانونية وحدها، بل في أجساد المرضى الذين يُحرمون من العلاج، وفي المستشفيات التي تتوقف عن العمل، وفي العائلات التي تتحول فيها النجاة إلى انتظار مؤلم.

من هذا الواقع نشأت مبادرة أسطول الحرية 2026. مئات المتطوعين—من أطباء وممرضين ومسعفين وصحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان—جاؤوا من أكثر من سبعين دولة بدافع الضمير لا بدافع المصلحة. كثيرون منهم لم يعرفوا الحرب أو الحصار، لكنهم رفضوا أن يصبح حرمان المدنيين من العلاج والغذاء حدثاً عادياً في القرن الحادي والعشرين. لقد حملوا معهم ما هو أثمن من المساعدات: إيماناً بأنّ الإنسان لا يجوز أن يُترك وحيداً أمام الألم.

وقد جاء المشاركون في أسطول الحرية من مختلف بقاع الأرض، من كل قارات العالم تقريباً، في مشهد تطوعي نادر في تاريخ العمل الإنساني والإغاثي عبر العصور؛ مشهد يجتمع فيه هذا العدد من المتطوعين المدنيين، من ثقافات وأديان ولغات متعددة، على هدف واحد: حماية الحياة والحقوق الإنسانية حيث تتعرض للاعتداء والإنهيار.

كان بينهم من ترك عائلته لأيام طويلة، ومن حمل حقيبة طبية صغيرة لأنه لا يحتمل فكرة أن يموت طفل بسبب نقص مضاد حيوي أو محلول وريدي. بعضهم لم يعرف غزة إلا من الصور، لكنهم شعروا أنّ الصمت أمام هذا الانهيار يمس إنسانيتهم الشخصية. وهنا تكمن القيمة الحقيقية للأسطول: ليس فقط فيما يحمله من إمدادات، بل فيما يمثله من رفض عالمي لتحويل المعاناة إلى مشهد مألوف.

غير أنّ ما جرى بعد انطلاق الأسطول كشف عمق الأزمة أكثر مما أخفى. ففي منتصف أيار/مايو 2026، اعترضت القوات البحرية الإسرائيلية سفن الأسطول في المياه الدولية، واحتجزت مئات المتطوعين، بينهم طواقم طبية وصحفية. روايات المرحّلين تحدثت عن تقييد بالأصفاد، واستخدام للعنف الجسدي، وإطلاق رصاص مطاطي على مدنيين غير مسلحين. وقد اعتبرت دول ومنظمات حقوقية عديدة أنّ ما حدث يمثّل انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي وتعدياً مباشراً على العمل الإنساني المدني.

لكنّ اعتراض الأسطول لا يُضعف معناه، بل يكشف ضرورته الأخلاقية. فهو يثبت أنّ الأزمة في غزة ليست أزمة احتياج فقط، بل أزمة وصول—حيث يُمنع الغذاء والدواء حتى قبل أن يقتربا من الشاطئ. ويؤكد أنّ المجال الإنساني نفسه بات مستهدفاً، وأنّ المبادرات المدنية تُعامل كتهديد بدلاً من كونها استجابة طبيعية لواجب إنساني عالمي.

إنّ أسطول الحرية ليس رمزاً عاطفياً عابراً، بل فعل شهادة إنسانية في مواجهة معاناة موثقة وممتدة. والمتطوعون الذين صعدوا إلى تلك السفن فعلوا ذلك لأنهم يؤمنون بأنّ الحياة المدنية ليست قابلة للتفاوض، وأنّ الضمير الإنساني يمكن أن يتحول إلى شكل من أشكال العمل الصحي العام عندما تتعرض الكرامة والنجاة للخطر.

وحين يصبح الوصول إلى الدواء والغذاء موضع تفاوض، تصبح الإنسانية كلها في موضع اختبار. فالقضية هنا لا تتعلق بغزة وحدها، بل بالحدود الأخلاقية التي يقبل العالم أن تتراجع أمامها قيمة الإنسان وحقه في الحياة.

وفي لحظات كهذه، يصبح الضمير ليس مجرد شعور، بل مسؤولية—مسؤولية أن نقول إنّ حياة الإنسان ليست هامشاً سياسياً، وإنّ حرمان المرضى من الدواء لا يجوز أن يتحول إلى واقع معتاد، وإنّ حماية المدنيين ليست خياراً انتقائياً، بل واجباً قانونياً وأخلاقياً وإنسانياً.

ومن البحر إلى الوجدان، يبقى هذا الواجب هو الشيء الوحيد الذي لا يمكن حصاره.
تمت طباعة الخبر في: الجمعة, 22-مايو-2026 الساعة: 10:07 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: https://sanaanews.net/news-108353.htm