صنعاء نيوز - مَن يتابع الشؤون والملفات المختلفة المتعلقة بالنظام الإيراني، سيجد نفسه حتماً أمام تاريخ حافل بالأحداث والتطورات المتعاقبة

السبت, 30-مايو-2026
صنعاء نيوز/ نظام مير محمدي -



نظام مير محمدي

كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني



مَن يتابع الشؤون والملفات المختلفة المتعلقة بالنظام الإيراني، سيجد نفسه حتماً أمام تاريخ حافل بالأحداث والتطورات المتعاقبة التي كان خلالها هذا النظام لاعباً مثيراً للشبهات، وحريصاً على الدوام على إثارة الفوضى والمشاكل والأزمات والحروب. وقبل ذلك كله، كان نظاماً قمعياً قاسيًا مع الشعب الإيراني، مستخدماً شتى الممارسات التنكيلية لإجباره على القبول بوجوده كأمر واقع.

إن ما يدعو إلى الشك والريبة في هذا النظام وعدم الركون إليه، هو أنه منذ مجيئه إلى السلطة، غرقت بلدان المنطقة في بحار من الأزمات، وعانت الأمرين جراء عبثه بأمنها واستقرارها. والملفت للنظر أن خطره وتهديده يتفاقمان مع مرور الأيام، حتى أضحى تهديداً صارخاً للسلام والأمن، ليس على مستوى المنطقة فحسب، بل على مستوى العالم بأسره. واليوم، وفي الوقت الذي يمارس فيه النظام بلطجة دولية بتهديده لخطوط الملاحة في مضيق هرمز وفرض رسوم دخول غير قانونية، فإنه يثبت للعالم أن خطورته وتهديده موضوعان واضحان وضوح الشمس لا يحتاجان إلى مزيد من الإثبات، وأن التغيير في إيران غدا مطلباً ملحاً يسهم بقوة في استتباب الأمن السلمي العالمي.

وما يدعو لمضاعفة الشك بهذا النظام إقليمياً ودولياً، هو أن الممارسات القمعية التي استخدمها ويواصل استخدامها ضد شعبه—والتي تحفل بسجل طويل جداً من الجرائم والمجازر والانتهاكات البالغة الفظاعة—تثبت عدم اكتراثه بمبادئ حقوق الإنسان والقوانين والقيم الدولية. وهذا ما يجعل منه نظاماً غير عادي، بل وفريداً من نوعه في الاستبداد؛ وإن سلسلة الأزمات والحروب التي أثارها في المنطقة، والآثار البالغة السوء التي تركها على البلدان الخاضعة لنفوذه، تؤكد بكل وضوح أن الخطر الذي يشكله قضية حيوية لا يمكن التغاضي عنها، بل يجب التصدي لها حسمًا بعد أن تجاوزت بكثير مرحلة الدراسة والبحث الفكري.

كما أن هذا النظام، وفي مجال تنفيذه للالتزامات المترتبة على عاتقه في الاتفاقيات السياسية المختلفة ذات الصلة بالسلام والأمن، قد أثبت بصورة غير قابلة للشك عدم جدارته بالثقة. إذ إنه في الوقت الذي يوقع فيه على هذه الاتفاقيات، يكون في اللحظة ذاتها بصدد التخطيط سراً، وبعيداً عن الأنظار، للتصرف على النقيض منها تماماً. ومثال ذلك اتفاق تموز (يوليو) 2015، الذي كان في الأساس اتفاقاً سيئاً ومليئاً بالثغرات؛ إذ لم يفضِ إلى نتيجة إيجابية، بل ساهم بشكل أو بآخر في الحفاظ على بنيته التحتية النووية، ووفر له أجواءً مناسبة لرفع مستوى تخصيب اليورانيوم إلى 60%. واليوم، يحاول النظام وبصورة مكشوفة للمراقبين إبرام اتفاق مشابه في المضمون، مستغلاً مزاعم "الاعتدال والتشدد" ليخدع المفاوضين مجدداً، مصوراً أن هناك جناحاً معتدلاً يرغب في الاتفاق وجناحاً متشدداً يرفضه، في حين أنهما وجَهان لعملة واحدة ويسعيان لهدف واحد هو مصلحة النظام واستمراره.

من هنا، يكمن الخطر المحدق بالعالم؛ فالنظام يصر على استبعاد ملفي صواريخه البالستية وتدخلاته الإقليمية من المفاوضات، بل وتهميش الملف النووي نفسه، وفي الوقت عينه، يحاول بوقاحة انتزاع "ضمانات دولية" للاتفاق المزمع إبرامه. وهذا لا يعني رغبته في جعل الاتفاق أمراً واقعاً فحسب، بل يعني شرعنة النظام ذاته، وشرعنة مشروعه التوسعي في المنطقة وبرامجه الصاروخية. ومن المثير للسخرية أن النظام يستبعد تقديم أي ضمانات دولية لالتزامه ببنود الاتفاق وعدم خرقها، بل يعمل على صياغة اتفاق هش وغير حاسم بحسب التقارير الواردة من طاولة المفاوضات، بينما يطالب في المقابل بضمانات تسمح له بأن يسرح ويمرح في المنطقة والعالم دون أن يعترضه أحد!

ليس هناك إطلاقاً ما يمكن أن يدعو للثقة بهذا النظام والائتمان به، ليس من قِبل خصومه والعالم فحسب، بل وحتى من قِبل حلفائه؛ فهو يتلاعب بكل ما هو خطر ومحظور، ولا يتوانى عن اللجوء إلى أي إجراء مهما كان حساساً وغير عادٍ إذا ما دعت حاجته إلى ذلك، ولاسيما عندما يجد نفسه في خطر مداهم يهدد وجوده. إن خطورة هذا النظام كانت وستبقى تكمن في مجرد بقائه، فكيف إذا ما تم إضفاء الشرعية الدولية على هذا البقاء؟ حينها سيتفاقم التهديد أكثر فأكثر، وهو ما سبقت وأن حذرت منه المقاومة الإيرانية مراراً وتكراراً، وعلى المجتمع الدولي، ولاسيما الولايات المتحدة، أن تنتبه لذلك قبل فوات الأوان.

المواجهة التاريخية وخيار السقوط الحتمي

خلاصة القول؛ مهما بذل المجتمع الدولي من مساعٍ ومحاولات للتعايش مع هذا النظام والعمل على دمجه في العالم، فإنما يقوم بعبث لا طائل من ورائه؛ إذ إن هذا النظام من النوع الذي لا يمكن أن يتخلى عن نهجه لأن في تخليه نهايته الحتمية. وإن على العالم أن يلتفت جيداً إلى المواجهة الضارية التي يخوضها الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة ضد هذا النظام منذ بداية تأسيسه عموماً، وبشكل خاص بعد 20 حزيران (يونيو) 1981، حيث تأسس المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية الذي أخذ على عاتقه مهمة قيادة المواجهة الوطنية الشاملة لإسقاطه. وضمن هذا السياق، وتخليداً لذكرى الشهداء الأبرار والتضامن مع السجناء السياسيين، ستنطلق تظاهرة حاشدة في باريس في التاريخ ذاته؛ حيث تشير تقديرات اللجنة المنظمة إلى مشاركة مئة ألف إيراني في هذا الحدث الضخم. وسيطالب المتظاهرون بالإلغاء الفوري لعقوبة الإعدام والإفراج غير المشروط عن كافة المعتقلين السياسيين، مؤكدين تطلعهم لإقامة إيران حرة وديمقراطية، تتجاوز عهدي شاه وملا. إن دعم هذه المقاومة وتأييدها هو الطريق الوحيد والضمانة الحقيقية لتحقيق النتيجة المرجوة، والمتمثلة في تغيير النظام والإتيان ببديل ديمقراطي جديد يكون في مستوى المسؤولية التاريخية والأخلاقية.
تمت طباعة الخبر في: السبت, 30-مايو-2026 الساعة: 11:07 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: https://sanaanews.net/news-108470.htm