صنعاء نيوز/ د. صلاح الصافي - لم يغب مكافحة الفساد عن أي حكومة عراقية منذ 2005، لكن النتائج بقيت موضع جدل واسع، إذ شكل نوري المالكي مجلساً لمكافحة الفساد، ثم جاء حيدر العبادي بمجلس أعلى، وأعاد عادل عبد المهدي إحياءه، فيما أسس مصطفى الكاظمي لجنة عرفت بـ (أبو رغيف)، قبل أن يُطلق محمد شياع السوداني هيئات ولجاناً جديدة تحت العنوان ذاته، واليوم يدخل رئيس الوزراء علي الزيدي على الخط بإعلانه تشكيل المجلس السيادي الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد المال العام، في محاولة جديدة لفتح واحد من أكثر الملفات تعقيداً في العراق.
وبينما تبدلت أسماء المجالس واللجان وتغير رؤساء الحكومات، بقيت النتيجة واحدة تقريباً؛ فالمليارات المهدورة لم تتوقف، وملفات الفساد الكبرى لم تختفِ، ما جعل كثيرين ينظرون إلى تشكيل الهيئات الجديدة بوصفه إجراء متكرراً أكثر من كونه تحولاً حقيقياً في مسار مكافحة الفساد.
وبرغم من أن العراق دخل إليه منذ عام 2003 أكثر من تريليون دولار من الإيرادات النفطية وفق تقديرات رسمية وسياسية متعددة، إلا أن البلاد ما تزال تعاني أزمات مزمنة في الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والبنى التحتية، وهو ما جعل ملف الفساد يتحول إلى أحد أكثر الملفات إثارة للجدل داخل الشارع العراقي.
وكان الرئيس العراقي الأسبق برهم صالح قد كشف عام 2021 أن نحو 150 مليار دولار هُربت إلى خارج البلاد عبر صفقات فساد منذ عام 2003، معتبراً أن هذه الأموال كانت كفيلة بإحداث تحول كبير في واقع العراق الاقتصادي والخدمي.
ومن المفارقات أن أغلب المجالس التي أُعلنت باعتبارها رأس الحربة في مواجهة الفساد لم تعمّر طويلاً، فبمجرد تبدل الحكومات أو تغير الأولويات السياسية، كانت تلك التشكيلات تدخل في حالة من الجمود أو تختفي من المشهد تماماً، من دون أن تترك وراءها مؤسسات دائمة أو تشريعات قادرة على ضمان استمرارية عملها.
مهمة الزيدي تبدو بالغة الصعوبة والتعقيد، إذ يواجه منظومة متجذرة داخل مفاصل الدولة تشكلت عبر سنوات من المحاصصة السياسية وتبادل المصالح بين قوى نافذة تمتلك أدوات تأثير واسعة داخل المؤسسات الحكومية والاقتصادية. كذلك ارتبطت العديد من ملفات الفساد الكبرى تاريخياً بجهات تحظى بغطاء سياسي وحزبي وفر لها الحماية من المساءلة القانونية، الأمر الذي يجعل أي محاولة للمحاسبة الحقيقية تصطدم بمصالح قوى اعتادت توظيف النفوذ السياسي والاقتصادي لتعزيز حضورها الشعبي وترسيخ مواقعها في المشهد العراقي.
نجاح هذه الجهود سيبقى مرتبطاً بقدرة الحكومة على مواجهة شبكات المصالح التي تشكلت على مدى سنوات طويلة، فالفساد في العراق لم يعد مجرد حالات فردية، بل تحول إلى منظومة متكاملة تتمتع بحماية سياسية واقتصادية وإدارية، الأمر الذي يجعل المواجهة معها معقدة وتتطلب دعماً سياسياً وشعبياً وقضائياً واسعاً.
وبين الرغبة المعلنة في بناء دولة أكثر نزاهة وشفافية، والتحديات التي تفرضها شبكة المصالح السياسية والاقتصادية المتشابكة، تقف حكومة علي الزيدي أمام اختبار مصيري قد يحدد مستقبل مشروعها الإصلاحي، ويكشف مدى قدرتها على تحويل الوعود إلى إجراءات عملية قادرة على تفكيك منظومة الفساد التي طالما اعتبرت واحدة من أخطر التهديدات التي واجهت العراق منذ عام 2003.
على ذلك أن كل الحكومات العراقية من بعد (2003) ولحد الآن أسست هيئات ولجان لمكافحة الفساد لكن الفساد يتمدد وأصبح ثقافة مجتمعية والوظيفة في العراق هو الباب الذي يفتح أوسع الآفاق للغنى وعندما نقول ثقافة لآن الفاسدين يتبجحون بما يملكون من أموال الفساد، والرسالة إلى الزيدي إذا كنت حقاً تريد مكافحة الفساد أضرب بيد من حديد أصنام الفساد (حيتان الفساد) وهم معروفين للقاصي والداني ليقف الشعب كل الشعب خلفك لإعادة العراق إلى وضعه الحقيقي وإن لناظره لقريب.
|