صنعاء نيوز /بقلم / د. غيث الكثيري - جامعة فرجينيا -
حين تتحول المعالجات الاقتصادية إلى معاناة شعب وضياع وطن
تشخيص الأزمة: قرارات غير مدروسة في توقيت حرج
من المؤلم أن تلجأ الحكومة إلى خطوات غير مدروسة وفي توقيت بالغ الحساسية؛ وذلك برفع الرسوم الجمركية والضريبية على الواردات عبر تعويم سعر الصرف الجمركي، سعيًا نحو زيادة إيرادات خزينة الدولة.
تأتي هذه الإجراءات في وقت يعاني فيه المواطن من أوضاع معيشية قاسية، وانهيار حاد في القدرة الشرائية، وارتفاع خطير وغير مسبوق في معدلات الفقر والبطالة، إلى جانب اتساع دائرة الجوع، وتفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي التي تتزايد بصورة مرعبة كل يوم.
الآثار المترتبة: المواطن البسيط يدفع الثمن
إن هذه الإجراءات، مهما كانت مبرراتها المالية، لن يتحمل أعباءها سوى المواطن البسيط الذي أنهكه الفقر والأزمات المتلاحقة. فزيادة تكاليف الاستيراد تعني بالضرورة ارتفاعًا جديداً في أسعار السلع الأساسية والضرورية التي يحتاجها المواطنون للبقاء على قيد الحياة، الأمر الذي سيضاعف معاناة الأسر ويوسع دائرة الجوع والاحتياج.
فالمعالجات الاقتصادية التي تُنفذ في توقيت غير مناسب قد تتحول إلى كارثة يصعب تدارك آثارها، وتصبح عبئاً ثقيلاً على الوطن والمواطن. فالأوطان لا تُصان ولا تُبنى بإثقال كاهل الشعوب بالرسوم والضرائب البديل الصحيح: الإدارة الرشيدة لا الجباية
إن الطريق الصحيح لتعزيز إيرادات خزينة الدولة لا يكون بفرض مزيد من الأعباء على المواطنين، بل يتحقق من خلال:
الإدارة الرشيدة للموارد الوطنية والاستغلال الأمثل للثروات والإمكانات الاقتصادية.
تفعيل المشاريع التنموية والإنتاجية التي تخلق موارد مستدامة.
تمكين المؤسسات من أداء دورها بكفاءة وشفافية كاملة.
تحريك عجلة الاقتصاد وتوفير بيئة داعمة للإنتاج والعمل والاستثمار.
فالدول لا تحتاج إلى موارد ضخمة بقدر حاجتها إلى إدارة ناجحة، ورؤية واضحة، وإرادة صادقة، مع الاستعانة بأصحاب الخبرة والكفاءة.
أولوية الحكم: المواطن هو غاية التنمية
إن استقرار الدول لا يتحقق إلا عندما يكون تحسين مستوى المعيشة، وتوفير الاحتياجات الأساسية من غذاء ودواء وخدمات وفرص عمل، في صدارة أولويات الحكومات. فالمواطن هو أساس التنمية وغايتها، وأي سياسة اقتصادية لا تراعي أوضاعه المعيشية ستظل بعيدة كل البعد عن تحقيق الاستقرار الحقيقي المنشود.
التنمية الحقيقية تبدأ من القرارات الحكيمة التي تضع مصلحة المواطن وكرامته ومستقبله فوق كل اعتبار.
مكمن الخطر: متى تسقط الأوطان؟
إن الأوطان لا تسقط بسبب اختلاف الآراء، وإنما تسقط عندما تُهمل القضايا الأساسية التي تمس حياة الناس، وعندما تُؤجل معالجة المشكلات الحقيقية وتُقدَّم المصالح الضيقة على المصلحة العامة؛ عندها يكون السقوط حتمياً.
إن المسؤولية الحقيقية لأي حكومة تتمثل في خدمة المواطن، وتوفير مقومات الحياة الكريمة له ولأسرته، وصناعة غد أفضل تنعم بظله الأجيال القادمة.
رؤية للمستقبل: تغيير الفكر قبل الأشخاص
في الختام، إن نهضة الدول لا ترتبط بتغيير الأشخاص فقط، بل بتغيير أساليب التفكير والإدارة، وترسيخ ثقافة الكفاءة والمساءلة، وتعزيز الشعور بالمسؤولية.
إننا بحاجة إلى عمل جاد من أجل بناء دولة قوية، واقتصاد مستدام، ومجتمع ينعم بالأمن والعدالة، وتحميه سلطة القانون وتظلله قيم الرحمة |