صنعاء نيوز - في خضمّ التداعيات العسكرية والسياسية الأخيرة، انبرى مسؤولون في النظام الإيراني إلى إطلاق تصريحات مدوّية عن "النصر القاطع

الإثنين, 08-يونيو-2026
صنعاء نيوز/ بقلم: سعيد عابد، كاتب إيراني -

في خضمّ التداعيات العسكرية والسياسية الأخيرة، انبرى مسؤولون في النظام الإيراني إلى إطلاق تصريحات مدوّية عن "النصر القاطع"، ومحاولة تصوير إيران بوصفها قوة عظمى صاعدة. فقد أعلن مجتبى خامنئي، المرشد الجديد، أن إيران هي "المنتصر القطعي"، فيما ذهب النائب حميد رسائي إلى القول إن الولايات المتحدة ليست قوة عظمى أصلًا، بل إن إيران هي القوة العظمى. أما إمام جمعة مشهد، أحمد علم الهدى، فذهب أبعد من ذلك حين قال إن إيران باتت "رابع قوة عظمى في العالم".
غير أن الفحص الهادئ لهذه الادعاءات يكشف عن هوة واسعة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني. فالنظام لا يتحدث من موقع انتصار استراتيجي، بل من موقع يحتاج فيه إلى صناعة انتصار لفظي يغطي حجم الخسائر، وتآكل النفوذ، وتراجع أدوات الردع، واتساع الخوف من الداخل.
"انتصار" مبني على مجرد البقاء
تستند رواية النظام إلى معادلة شديدة التبسيط: ما دامت القوة العظمى لم تُسقطنا، فنحن منتصرون. لكن هذه المعادلة تتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن واشنطن لم تعلن، في مواقفها الرسمية، أن إسقاط النظام هو هدفها المباشر. وبالتالي، فإن احتفال طهران بالنجاة من سقوط لم يكن مطروحًا رسميًا، لا يصنع نصرًا بقدر ما يكشف حاجة النظام إلى رفع معنويات جمهوره الداخلي وقواته الأمنية.
الأهم من ذلك أن المقاومة الإيرانية أكدت مرارًا أن التدخل العسكري الخارجي ليس طريق التغيير في إيران، كما أن سياسة المساومة لا تؤدي إلا إلى إطالة عمر الأزمة. فالمعادلة الحقيقية ليست بين طهران وواشنطن وحدهما، بل بين نظام مأزوم من جهة، وشعب ومقاومة منظمة من جهة أخرى. وهذا ما يحاول الخطاب الرسمي إخفاءه خلف ضجيج "النصر" و"القوة العظمى".
كما أن النظام يفصل المواجهة الأخيرة عن سياقها الأشمل، متجاهلًا أنها امتداد طبيعي للخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبه خامنئي بعد السابع من أكتوبر وتداعيات حرب غزة وما تلاها. فسياسة التصعيد وتوسيع الجبهات لم تمنح النظام عمقًا استراتيجيًا جديدًا، بل ساهمت في كشف هشاشة شبكة نفوذه الإقليمي.
"العمق الاستراتيجي" من التمدد إلى الانكماش
قبل أحداث غزة، كان خامنئي يتباهى بما يسميه "محور المقاومة"، ويعتبر أذرعه الإقليمية من عناصر القوة التي لا يمكن التنازل عنها. وكان قاسم سليماني يتحدث عن خطوط دفاع تمتد إلى سواحل المتوسط، بينما كان حسن نصرالله ينقل عن خامنئي أن سوريا تمثل "عمود خيمة المقاومة"، وأن خسارتها تعني دفع حزب الله إلى الهامش.
لكن السؤال اليوم هو: ماذا تبقى من تلك المنظومة؟ لقد تعرضت أذرع النظام في المنطقة لضربات متتالية، وفقدت طهران جزءًا مهمًا من قدرتها السابقة على استخدام هذه الشبكات كأوراق ضغط. وبات واضحًا أن ما سُمّي يومًا "عمقًا استراتيجيًا" يتحول تدريجيًا إلى عبء سياسي وأمني واقتصادي.
في الوقت نفسه، يتجاهل خطاب النصر قائمة طويلة من الخسائر. فالتقديرات المتداولة تتحدث عن أضرار كبيرة في البنية العسكرية، وعن استنزاف واسع في القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة، فضلًا عن الخسائر المادية الباهظة وتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. وحتى البرنامج النووي، الذي أنفق النظام عليه موارد هائلة من ثروة الشعب الإيراني، بات موضع تساؤل في ضوء الضربات والضغوط والتداعيات الأخيرة.
أي "قوة عظمى" تخاف من شعبها؟
إذا كان النظام يصر على وصف نفسه بالقوة العظمى، فإن الواقع الداخلي يطرح أسئلة لا يستطيع الخطاب الرسمي الإجابة عنها. أي قوة عظمى تعيش في خوف دائم من انتفاضة شعبها؟ وأي قوة عظمى تستنفر قواتها في الشوارع وتطالب أنصارها بعدم إخلاء الميادين؟ وأي قوة عظمى تقطع الإنترنت لفترات طويلة خشية انتقال الغضب الشعبي إلى تنظيم أوسع؟
الأمر لا يتوقف عند ذلك. فالنظام الذي يعلن النصر يواصل الإعدامات والاعتقالات، ويغلق الجامعات أو يقيّدها خوفًا من تحرك الطلاب، ويواجه صراعًا مفتوحًا بين أجنحته الأمنية والعسكرية والسياسية، من دون أن يتمكن المرشد الجديد من فرض طاعة مستقرة داخل البيت نفسه. كما أن مجتمعًا يعيش قسم كبير منه تحت خط الفقر لا يمكن أن يكون قاعدة اجتماعية لقوة عظمى، بل مرآة لأزمة حكم عميقة.
من هنا، يبدو أن خطاب "القوة العظمى" لا يستهدف إقناع العالم بقدر ما يستهدف الداخل الإيراني. فالعالم يدرك حجم التناقض بين الادعاء والواقع، لكن النظام يريد أن يقول لشعبه إنّه لا يزال قويًا ولا يمكن إسقاطه. إنها محاولة لإحباط الانتفاضة قبل أن تبدأ، وقطع الطريق أمام تحول الغضب الاجتماعي إلى حركة منظمة.
غير أن سلوك النظام نفسه يفضح هشاشته. فالإعدامات اليومية، وقطع الإنترنت، والاستنفار الأمني، والتحذير المستمر من الشارع، كلها علامات نظام يخاف من شعبه أكثر مما يثق بقوته. والنظام الذي يحتاج إلى كل هذا القدر من القمع لإثبات قوته، إنما يعلن ضمنيًا أنه فقد الأساس الطبيعي لأي استقرار سياسي.
خلاصة: قوة في الخطاب وضعف في البنية
الحقيقة التي تحاول الدعاية الرسمية إخفاءها بسيطة: النظام الإيراني يمر بإحدى أضعف لحظاته. فقد تآكل عمقه الإقليمي، وتفاقمت أزماته الاقتصادية، وتراجعت شرعيته الاجتماعية، وانكشفت هشاشة انتقال السلطة داخله. أما الحديث عن "النصر" و"القوة العظمى"، فهو محاولة لتغطية هذا الواقع لا لتفسيره.
قد يستخدم النظام أجواء الحرب أو التهديد أو إغلاق مضيق هرمز كغطاء مؤقت لإطالة عمره، لكنه لا يستطيع الهروب من الثمن الاستراتيجي لهذه السياسة. فكل تصعيد جديد يضيف عبئًا جديدًا، وكل خطاب انتصار يصطدم في النهاية بحقيقة مجتمع غاضب ومقاومة منظمة تنتظر لحظة الحسم.
في النهاية، لا تُقاس القوة بمجرد البقاء فوق الركام، ولا بكثرة الشعارات، بل بالقدرة على بناء مستقبل آمن ومستقر. وهذا بالضبط ما لا يملكه نظام ولاية الفقيه. أما إيران الحقيقية، فليست تلك التي يتحدث عنها مسؤولو النظام في خطاباتهم، بل تلك التي تتحرك في عمق المجتمع، بحثًا عن حرية وكرامة ومستقبل مختلف.
تمت طباعة الخبر في: الإثنين, 08-يونيو-2026 الساعة: 07:10 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: https://sanaanews.net/news-108588.htm